الشيخ حسن المصطفوي

88

التحقيق في كلمات القرآن الكريم

وأمّا الشفق في قوله تعالى : . * ( فَلا أُقْسِمُ بِالشَّفَقِ وَاللَّيْلِ وَما وَسَقَ وَالْقَمَرِ إِذَا اتَّسَقَ لَتَرْكَبُنَّ طَبَقاً عَنْ طَبَقٍ ) * - 84 / 16 . ظاهر معنى الشفق هو ما يبقى ضعيفا ورقيقا من نور الشمس بعد غروبها ، وهو الحمرة الَّتي تكون في المغرب ، أو من كلّ نور أو قوّة . والوسق : الجمع والجمل . والاتّساق هو الجمع بانتخاب واختيار . والليل بظلمته يقتضي جمع متفرّقات ومختلفات ، كما أنّ القمر في محيط الظلمة أيضا يوجب جذب أشياء وجمعه في محيط إنارته . وأمّا من جهة الروحانيّ : فالشفق هو النور الضعيف والفيض المنبسط الرقيق المتجلَّي في عالم المادّة . ثمّ يتحوّل إلى الظلمة والمحجوبيّة في محيط المادّة ، الجامعة لأمور مادّيّة وما يناسبها . وهذا المحيط الظلماني مواجه بقمر نورانيّ يفيض نوره المكتسب إلى المحيط . وهذا الجريان ينتهي إلى طبقات نازلة ومراتب ظلمانيّة متأخّرة . فلا بدّ للعاقل المتنبّه المتوجّه إلى الحقيقة : أن يستفيض من الشفق الضعيف المتجلَّي ، وإلَّا فمن القمر المتنوّر في محيط الظلمة ، حتّى يتحفّظ نفسه من الارتطام في الهلكات والسقوط في مراحل الضلال والغوايات . ولمّا كان الشفق وكذلك الليل مع إنارة القمر فيها جهة الهداية والاستفاضة والتخلَّص من الظلمات : فتكون ذات رحمة وأهميّة ، قابلة بأن تهتدي بهديها . والتعبير بالشفق والليل : إشارة إلى أنّ ذلك الضعف والرخوة في بسط النور إنّما من جهة الحجب الناشئة من ناحيتنا ، كما أنّ في عالم المادّة أيضا إنّما يتحقّق من ناحية الأرض المتحوّل المتحرّك . فكلَّما كان التوجّه والوجهة إلى جانب اللَّه المتعال : ازدادت النورانيّة والروحانيّة ، وإذا كانت الوجهة إلى جانب المادّة : ضعفت النورانيّة وازدادت الظلمة ، كالأرض المتحوّلة عن الشمس . وكلَّما ازدادت الظلمة : ازداد التلوّن ، إلى أن يصل إلى السواد والظلمة الصرفة ، وهذا جهة الحمرة في الشفق .