الشيخ حسن المصطفوي

170

التحقيق في كلمات القرآن الكريم

ولا يبعد أن يكون ص إشارة إلى كلّ منها ، بدليل ذكره مطلقا . ولا يخفى أنّ مرجع هذه الكلمات إلى حقيقة واحدة ، وهي العبوديّة الصرفة والتسليم التامّ والقيام الخالص في قبال أمره وعظمته . فانّ الاستقرار في الصفّ : هو التثبّت في إطاعة الأمر من دون تزلزل واضطراب وتمايل إلى جانب . والصبر : هو الاستقامة التامّة في العبودية والعمل بالوظيفة المحوّلة اليه . والصراط : هو الاستقرار الكامل في السلوك على صراط الحقّ من دون أيّ زيغ . والصلاح : هو استدامة العمل الصالح . والصفا : هو طهارة الباطن والتنزّه عن أيّ تلوّن وتكدّر . وهذه صفات ممتازة ومن أعلى مقامات الانسانيّة والنبوّة ، كما قال النبيّ ( ص ) : شيّبتني سورة هود - فاستقم كما أمرت . وهذه السورة الكريمة تشتمل على ذكر قصص وجريانات من الأنبياء وصبرهم وتثبّتهم على الصراط الحقّ واستقامتهم في قبال الكافرين ، وعلى هذا أشير في صدر السورة على تكليفه ووظيفته المنحصرة في قبال الكفّار والمخالفين في مقام إجراء أمر الرسالة الإلهيّة . فيكون حرف ص إشارة إلى - الاستقامة بالاصطفاف والاصطبار على صراط الحقّ مع الاصطفاء والعمل الصالح . ثمّ إنّ هذا المقام الأسنى لا يتحصّل إلَّا بمعارف إلهيّة شهوديّة ، والمعرفة اليقينيّة بحقيقة العلم والمشيّة اللاهوتيّة مع الوصول إلى بحر المحبّة . فان التجلَّيات النوريّة إنّما تتحقّق وتظهر بالمشيّة ، والمشيّة من آثار العلم والقدرة الذاتيّتين المتظاهرتين من الحياة - كما سبق في الشيء ، فما لم يشاهد المؤمن حقيقة المشيّة وحقيقة العلم الإلهيّ وإحاطته وقدرته النافذة التامّة : لا يتمكَّن من إدراك مقام العبوديّة والوصول إلى حقّ التسليم والفناء ومحو الأنانيّة . فيظهر ما يراد في الروايتين : فانّ العرش عبارة كما يأتي عن العلم والقدرة وعن