الشيخ حسن المصطفوي

130

التحقيق في كلمات القرآن الكريم

والتحقيق أنّ الأصل الواحد في هذه المادّة : هو العلم بالحضور عند المعلوم ومعاينته ، وهذا المعنى في الأمور المحسوسة معلوم ، وأمّا في الأمور المعقولة والمعارف الروحانيّة : فبحضور المعلوم عند العالم وفي نفسه . وتوضيح ذلك : أنّ لشهود النفس مراتب : 1 - الشهود بعضو الباصرة ، أي بانتقال صورة من المبصر في الشبكيّة ثمّ نقلها بالعصب المخصوص إلى الدماغ . 2 - الشهود بأعضاء السامعة والذائقة والشامّة واللامسة ، بانتقال محسوساتها إلى أعصاب مخصوصة ، حتّى تنتهي إلى الدماغ . والباصرة أيضا من الحواسّ الظاهرة ، وإفرادها من جهة أنّ العرف يحسبها منفردة مستقلة في مفهوم الشهادة . فهذه المحسوسات المشاهدة : يشاهدها النفس بحضور صورها المنتقلة اليه ، فأعضاء الحواسّ ثمّ الأعصاب المخصوصة بها ثم تمركزها في الدماغ : توجب حضور صور من المحسوسات في النفس وانطباعها فيه ، فيتحقّق الشهود والعلم الحضوريّ اليقينيّ . 3 - الشهود بالقوّة المفكَّرة ( المتصرّفة العقليّة ) إذا ركَّبت بعض ما في خزينة الخيال من الصور وفي خزينة الحافظة من المعاني الجزئيّة ، وتصرّفت فيها تحت حكومة العقل ، فتنطبع النتيجة في الدماغ ، ويشاهدها النفس ، هذا إذا كانت موادّ إدراكها من اليقينيّات والقطعيّات . وأمّا إذا كانت من الوهميّات الصرفة والمظنونات : فهي من المتخيّلات . والشهادة الَّتي توجب القطع وتعتبر في الأحكام الفقهيّة : هي هذا النوع من الشهود العلميّ ، وهو الشهود بالحواسّ أو بالمفكرّة ، بأن يكون المعلوم مشهودا عند الشاهد وحاضرا ومنطبعا في نفسه بحيث لا يقبل الترديد والخلاف . والشهود إنّما يتحقّق في هذه المراتب : بحصول صور من المدركات في صفحة