الشيخ حسن المصطفوي

92

التحقيق في كلمات القرآن الكريم

وأمّا تساوي المستخفي والسارب بالنسبة إلى اللَّه تعالى : فانّ الليل والنهار والنور والظلمة والجهر والإخفات إنّما هي حجب في عالم المادّة وبالنسبة إلى القوى والحواسّ الجسمانيّة ، وأمّا في ما وراء هذا العالم وبالنسبة إلى الحواسّ الروحانيّة : فليس للحجب المادّية تأثير فيها . * ( فَلَمَّا بَلَغا مَجْمَعَ بَيْنِهِما نَسِيا حُوتَهُما فَاتَّخَذَ سَبِيلَه ُ فِي الْبَحْرِ سَرَباً ) * - 18 / 61 . أي فاتّخذ الحوت سبيله الَّذي جعل له بالطبع وهو الجريان في الماء ، وهو في حالة السرب أي التظاهر من المحدوديّة وكونه ممنوعا من الجريان . ولا يبعد القول بانّ الحوت كان حيّا ومحفوظا في ماء لئلَّا يتسنّه عند الحاجة إلى الطعام ، وقد وضعوه هناك قريبا من البحر ، فاتّخذ سبيله في البحر . ويؤيّد هذا المعنى أنّ الحوت بمعنى الروغان والتحرّك ، ويستعمل في سمك يكون حيّا ومتحرّكا - راجع الحوت . أو أنّهما أخذا الحوت قبيل هذا الوقت ، وكان حيّا في الباطن ، وإذا رأى الماء وأحسّ به : فراغ اليه ونجا . * ( وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَعْمالُهُمْ كَسَرابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُه ُ الظَّمْآنُ ماءً ) * - 24 / 39 . أي كما أنّ السراب تظاهر وتبرّز صرف وليس له حقيقة ، كذلك أعمال الكفّار إنّما يعملون رياء ولأغراض نفسانيّة ومقاصد دنيويّة ، فانّ تقوّم الأعمال بالنيّات ، والنيّة روح العمل وفصله وبه يكون صالحا مطلوبا أو طالحا مذموما ، وما دام الإنسان متوغَّلا في الحياة والعيش الدنيويّ ، وليس له نظر إلَّا الجريان المادّيّ والمقاصد النفسانيّة : فلا يتمكَّن من نيّة صالحة خالصة . * ( وَفُتِحَتِ السَّماءُ فَكانَتْ أَبْواباً وَسُيِّرَتِ الْجِبالُ فَكانَتْ سَراباً ) * - 78 / 20 . قلنا في الجبل إنّه ما يكون بالفطرة عظيما من أيّ نوع كان ، فالمعنى - إذا ينفخ في الصور وفتحت أبواب السماء وسيّرت الجبال أي كلّ ما يكون عظيما خلقا وفطرة في عالم الطبيعة كمّا أو كيفا ، فكانت سرابا . فانّ العظمة الطبيعيّة إذا خرجت من عالمها وسيّرت إلى عالم فوقها لا يبقى لها اثر من تلك العظمة المخصوصة المحدودة ، وتكون تلك العظمة مبدّلة إلى السراب