الشيخ حسن المصطفوي

89

التحقيق في كلمات القرآن الكريم

والتحقيق أنّ الأصل الواحد في هذه المادّة : هو الحركة إلى جانب من دون فكر وتدبير ونظم صحيح ، سواء كانت تلك الحركة مهملة بذاتها كما في اللعب بالجوز ، أو مهملة بانتفاء القصد الصحيح كما في الحركات المهملة الباطلة لغوا . من ذلك الندى والبلَّة النازلة في الليل ، فانّها غير منظَّمة كمّا ولا كيفا ولا في الجريان . ومن ذلك مشي مخصوص في السير بغير رويّة ويعبّر عنه بقولهم - ركب على رأسه أو رأسه . ومن ذلك السدى وهو ما يمدّ من خيوط النسج طولا ، فهو في نفسه وقبل اللحمة مهمل . فهذه القيود مأخوذة في المادّة ، ولا بدّ من ملاحظتها في موارد استعمالاتها ، ولا يصحّ اطلاق المادّة في مورد بدون رعاية القيود . * ( أَيَحْسَبُ الإِنْسانُ أَنْ يُتْرَكَ سُدىً ) * - 75 / 37 . السدى أصله سدو أو سدو ، اسم مصدر من السدو ، وحال من ضمير الإنسان ، وهو في المعنى كالصفة ، فيقال : جئت ركضا . ومصدر منكَّر حالا يقع بكثرة كبغتة زبد طلع أي مباغتا . يراد إنّ الإنسان لا يُترك وهو على حالة السدى ، أي أن يتحرّك ويعمل من دون فكر صحيح وتدبر وتعقّل في أمور حياته ومبدئه ومنتهاه ، وهو لا يدري ما يفعل وما ذا يكسب والى أيّ مقصد يسير . ولا يصحّ التفسير بالإهمال : فاوّلا - أنّه خلاف الأصل في المادّة . وثانيا - أنّ المشتغل بالأمور الدنيويّة وتدبير جريان حياته الدنيا : لا يقال عرفا إنّه مهمل ، ولو كان غير متوجّه إلى المبدأ والمعاد . وثالثا - إنّ المعنى المذكور أدقّ وأشمل للموارد المقصودة كلَّها ، بل ويشمل كلّ فرد من مؤمن أو غيره ، ليس له في أموره محاسبة ولا مراقبة ولا برنامج صحيح منظَّم