الشيخ حسن المصطفوي
77
التحقيق في كلمات القرآن الكريم
خلاف ما كانوا عليه ، وبالقهر والتحميل . وهذا المعنى أعمّ من الهزء والانتقاد والتعييب والتذليل والقهر والتكليف ، والمراد مطلق الحكم والقول فيهم بأيّ جهة وبايّ منظور ، بل لو كان بدون نظر ، كما أنّ بعض أفراد الناس من عادتهم القول والتكلَّم لغوا . * ( وَإِذا رَأَوْا آيَةً يَسْتَسْخِرُونَ ) * - 37 / 14 . أي يطلبون من أنفسهم أن يقولوا في تلك الآية ما يوافق تمايلهم ويضعّفوها . فكأنّ من شأنه ومن أهم وظائفه أن يسخر ممّا يرى من آيات اللَّه تعالى ، وهو يعترف في الآخرة بقوله : . * ( وَإِنْ كُنْتُ لَمِنَ السَّاخِرِينَ ) * . * ( وَرَفَعْنا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجاتٍ لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُمْ بَعْضاً سُخْرِيًّا ) * - 43 / 32 . أي منسوبا إلى السخر ، بأن يكون موردا ومتعلَّقا به ، فيحكم فيه ويستعمل ويتّخذه أجيرا وعاملا على تقدير ومقاولة . ولا يبعد أن يكون السخريّ منسوبا إلى السخرة على فعلة بمعنى ما يسخر به ، ويحذف التاء في النسبة . * ( فَاتَّخَذْتُمُوهُمْ سِخْرِيًّا حَتَّى أَنْسَوْكُمْ ذِكْرِي ) * - 23 / 110 . * ( أَتَّخَذْناهُمْ سِخْرِيًّا أَمْ زاغَتْ عَنْهُمُ الأَبْصارُ ) * - 38 / 63 . والكلمة منسوبة إلى السخرة على فعلة وهو يدلّ على نوع من السخر ، وذلك في مورد التحقير والاستهزاء . فظهر أنّ الكلمتين ليستا من صيغ المصادر ، بل من الصيغ المنسوبة . * ( وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ ) * ، * ( وَسَخَّرَ لَكُمُ الْفُلْكَ ) * ، * ( وَسَخَّرَ لَكُمُ الأَنْهارَ ) * ، * ( وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهارَ ) * ، * ( وَهُوَ الَّذِي سَخَّرَ الْبَحْرَ ) * ، * ( أَنَّ ا للهَ سَخَّرَ لَكُمْ ما فِي الأَرْضِ ) * ، * ( أَنَّ ا للهَ سَخَّرَ لَكُمْ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الأَرْضِ ) * ، * ( وَسَخَّرْنا مَعَ داوُدَ الْجِبالَ ) * ، * ( إِنَّا سَخَّرْنَا الْجِبالَ مَعَه ُ يُسَبِّحْنَ ) * ، * ( فَسَخَّرْنا لَه ُ الرِّيحَ ) * . يراد الحكم والتقدير في شيء مع قهر تكوينا . ومن آثار هذا المعنى : الطاعة والمحكوميّة الصرفة تحت الإرادة والأمر . ولا يخفى أنّ هذا التسخير والتسخّر : من آيات النظم في الخلقة ، ومن دلائل