الشيخ حسن المصطفوي

284

التحقيق في كلمات القرآن الكريم

فإطلاق المادّة في مورد ظهور الماء وجريانه على وجه الأرض : إذا كان الجريان بالدقّة ، فكأنّه يتروّى ويتأمّل في حركته . وهكذا في ذهاب الرجل مع توجّه وتفكَّر في قبال وظائفه بينه وبين الله تعالى وبنيّة الطاعة والعبادة . وهكذا ذهابه بنيّة نميمة وإفساد وإيجاد شرّ . وكذلك في جريان الظلّ إذا فاء ، فانّه بالدقّة والتدريج والمحاسبة . وأمّا العباءة المخطَّطة ونحوها : فباعتبار التدبير وإعمال التفكَّر في خطوطها حين النسج ، فيكون إجراء رسم الخطوط بالدقّة والنظر . * ( بَراءَةٌ مِنَ ا للهِ وَرَسُولِه ِ إِلَى الَّذِينَ عاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ فَسِيحُوا فِي الأَرْضِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ ) * - 9 / 2 . الخطاب للمشركين الناكثين عهودهم ، وقد أمهل الله لهم أربعة أشهر حرم من شوّال ، لكي يسيروا في الأرض منطلقين مع تفكَّر وتروّي ونظر في جريان أمورهم وأعمالهم وبرنامج حياتهم وخصوصيّات أفكارهم واعتقاداتهم ، ثمّ إذا انقضت تلك المدّة ولم يتنبّهوا ولم يهتدوا إلى الصلاح والرشد : فاقتلوهم . فظهر لطف التعبير بالمادّة في المورد ، دون ما يرادفها . * ( التَّائِبُونَ الْعابِدُونَ الْحامِدُونَ السَّائِحُونَ الرَّاكِعُونَ السَّاجِدُونَ الآمِرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّاهُونَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَالْحافِظُونَ لِحُدُودِ ا للهِ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ ) * - 9 / 112 . وقد رتّب اللَّه عزّ وجلّ مراحل السالكين إلى اللَّه تعالى في سبعة منازل : 1 - منزل التوبة : وهو الرجوع إلى الله تعالى من العصيان والخلاف ، ومن التعلَّق بالحياة الدنيا ، ومن الغفلة والضلال . وهذا أوّل منزل للسالك إلى الله تعالى ، ولا بدّ له من العزم والتصميم والنيّة الخالصة القاطعة ، حتّى يخرج عن الخلاف والضلال بالكلَّيّة ، ويتحقّق له التوبة القاطعة من دون ترديد وتزلزل وريب . 2 - منزل العبوديّة المطلقة : وهو التذلَّل والتعبّد والإطاعة والاتّباع في جميع ما يريد الله ويأمر وينهى ، حتّى يكون جميع أعماله وأقواله وأحواله وبرنامج أموره وظاهره وسرّه على طبق حكم الله تعالى وعلى ما تقتضي وظائف العبوديّة ، بحيث لا يرى منه غير الطاعة ، ولا يشاهد منه غير الخضوع والتذلَّل .