الشيخ حسن المصطفوي
267
التحقيق في كلمات القرآن الكريم
ذلك الشراب السائغ : إذا كان وفق الذائقة وجهاز الهاضمة ، وهكذا الطعام السائغ : إذا كان موافقا وله جريان في جهاز الهاضمة ، بأن يكون طعاما رقيقا . وعمل سائغ : إذا كان له جريان موافقا للصلاح وعلى مقتضى الطبيعة الحقّة . فالإباحة والتجويز والسهولة والاستمرار والامهال وأشباهها : قد تكون من لوازم الأصل وآثاره . والفرق بين السوغ والصوغ : أنّ الصوغ يلاحظ فيه جهة التقدير والاختلاق . وفي السوغ جهة الجريان على وفق الطبع . * ( نُسْقِيكُمْ مِمَّا فِي بُطُونِه ِ مِنْ بَيْنِ فَرْثٍ وَدَمٍ لَبَناً خالِصاً سائِغاً لِلشَّارِبِينَ ) * - 16 / 66 . خالصا من دم وكثافة وكراهة ، وموافقا للطبع والذائقة ، لا يشابه الدم والفرث في لون ولا في طعم ولا في جنس . * ( وَما يَسْتَوِي الْبَحْرانِ هذا عَذْبٌ فُراتٌ سائِغٌ شَرابُه ُ وَهذا مِلْحٌ أُجاجٌ ) * - 35 / 12 . العذب يقابل الملح . والفرات يقابل الأجاج ، كالشجاع ولم يذكر ما يقابل السائغ ، فانّ الماء إذا كان ملحا وأجاجا مرّا : لم يكن سائغا للشارب ولم يوافق الذائقة بل يستكرهه . * ( وَيُسْقى مِنْ ماءٍ صَدِيدٍ يَتَجَرَّعُه ُ وَلا يَكادُ يُسِيغُه ُ وَيَأْتِيه ِ الْمَوْتُ مِنْ كُلِّ مَكانٍ وَما هُوَ بِمَيِّتٍ ) * - 14 / 17 . الصديد القيح الخارج من الجروح وهو الخارج من تجسّم التجبّر والتعنّد [ . * ( وَخابَ كُلُّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ مِنْ وَرائِه ِ جَهَنَّمُ وَيُسْقى ) * ] فيشرب جرعة فجرعة ، ولا يتمكَّن من جعله سائغا له ، ويتهيّأ له الموت وتقبل عليه أسبابه وشدائده ، وما هو بميّت ويبقى حيّا . هذا بحسب ظاهر الآية الكريمة ومن جهة المفاهيم المادّيّة . وأمّا من جهة عالم فوق المادّة ، قلنا إنّ التجبّر والتعنّد يتجسّمان متناسبين لتلك العالم ، ويتظاهر منها ما يكون كثيفا صديدا قيحا ظلمانيّا في عالمه .