الشيخ حسن المصطفوي
263
التحقيق في كلمات القرآن الكريم
فالنكرة كما في : . * ( لا يَسْتَأْخِرُونَ ساعَةً ) * ، * ( يُوعَدُونَ لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا ساعَةً مِنْ نَهارٍ ) * ، * ( يُقْسِمُ الْمُجْرِمُونَ ما لَبِثُوا غَيْرَ ساعَةٍ ) * . يراد زمان محدود . والمعرفة المخصّصة بالنسبة كما في : . * ( اتَّبَعُوه ُ فِي ساعَةِ الْعُسْرَةِ ) * ، * ( وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ كَأَنْ لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا ساعَةً مِنَ النَّهارِ ) * - أي في زمان محدود كنتم في عسرة . ويظنّون أنّهم لم يلبثوا من نهارهم التي كانوا عليها إلَّا زمانا محدودا . والمعرّف باللام كما في : . * ( حَتَّى إِذا جاءَتْهُمُ السَّاعَةُ بَغْتَةً ) * ، * ( أَوْ أَتَتْكُمُ السَّاعَةُ ) * ، * ( يَسْئَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ ) * ، * ( وَإِنَّ السَّاعَةَ لَآتِيَةٌ ) * ، * ( وَما أَمْرُ السَّاعَةِ ) * - وقد ذكرت هذه الكلمة معرّفة باللام في أربعين موردا من القرآن الكريم ، ويراد منها زمان محدود في مستقبل أيّام من جريان حياة الناس . وهذا الزمان هو مرحلة الموت والانقطاع عن التعلَّقات الدنيويّة ، وطرح قاطبة مراتب المادّة وقواها ، والورود إلى عالم فوقها ، والابتداء بحياة جديدة في عالم جديد لطيف ، بأسباب وقوى ووسائل مناسبة . وفي هذا التحوّل العظيم : يتبدّل جميع ما للإنسان من العلائق الجسمانيّة ، ويفني جميع تمايلاته ومشتهياته الماديّة ، ويختتم أيّ نوع من اللذّات والعناوين والتملَّك والقدرة والقوّة الدنيويّة . وهذا تحوّل في طول حياة الإنسان ، لا يتصوّر أعظم وأشدّ منه ، وعلى هذا يستعمل لفظ الساعة عند الإطلاق في آيات اللَّه العزيز : في قبال هذا المعنى ، أي التحوّل العظيم وهو الموت ، وهذا المعنى هو مورد البحث وفي معرض الترديد والشكّ والاعتراض لأهل الدنيا . وكيف يصدّق ويعتقد بهذا المعنى : من لم يطَّلع على مرتبة من مقامات الآخرة ، ولم يشاهد أثرا من آثار منازل لما بعد الموت . وكيف يمكن لإنسان مستغرق في الحياة الدنيا المادّيّة : أن يذعن لتحوّل يذهب بحواسّه وقواه وتمايلاته وشهواته ، وأن يهدم ماله وملكه وسلطته وقدرته وشخصيّته وعنوانه ، وأن يبعّد الأقربين والأدنين منه ، وأن يجعله صفر اليد فقيرا محتاجا لا يملك شيئا ، وهو في ظلمات وابتلاءات .