الشيخ حسن المصطفوي
254
التحقيق في كلمات القرآن الكريم
والتحقيق أنّ الأصل الواحد في هذه المادّة : هو الفضاء المتّسع أمام الدار متّصلا بها ، سواء كان محوّطا بالحائط أم لا ، وسواء كان في ملك صاحب الدار أم لا . ولم أر مشتقّا من هذه الكلمة . * ( أَفَبِعَذابِنا يَسْتَعْجِلُونَ فَإِذا نَزَلَ بِساحَتِهِمْ فَساءَ صَباحُ الْمُنْذَرِينَ ) * . - 37 / 177 . قد عبّر في المورد بالساحة : فانّها مشرفة على الدار ، والدار تحت استيلائها دائما ، وحياة الرجل وإدامة معاشه تحت وسع هذه المحوّطة ، وهي فضاء للتنفّس وانطلاق المرء ، ونزول العذاب عليها آخر وقت للهلاك ، كنزول العدوّ عليها . والتعبير بحرف الباء : يدلّ على الفعليّة والتصاق العذاب ووصوله . والتعبير بساحتهم دون ساحة الدار لهم : إشارة إلى أنّ نزول العذاب نزول إلى فضائهم من دون واسطة الدار ، فيصيرون تحت إحاطة ذلك العذاب مغرقين فيه - فساء صباحهم . هذا بالنسبة إلى التفسير الظاهريّ ، وأمّا تطبيق الآية الكريمة على المعنى المعنويّ الحقيقيّ : فانّ العذاب الموعود هو العذاب الاخرويّ ، وهو أخذة رابية شديدة - . * ( ثُمَّ فِي سِلْسِلَةٍ ذَرْعُها سَبْعُونَ ذِراعاً فَاسْلُكُوه ُ ) * - فإذا نزل بساحتهم وأحاطهم وختم على قلوبهم : فيصبحون على أشدّ ابتلاء ويصيرون إلى أسوأ حالات . وهذا هو العذاب المستمرّ الَّذي لا مفرّ منه ، ويدوم إلى الأبد ، وهو النازل بهم وبساحتهم ويحيط بهم ، فساء صباحهم . ويؤيّد هذا المعنى : التعبير بقوله : نزل بساحَتهم ، و - ساء صباحُهم - على ما أشرنا إلى خصوصيّاتها إجمالا . سود مصبا ( 1 ) - السواد : لون معروف ، يقال : سود يسود من باب تعب ، فالذكر
--> ( 1 ) مصباح اللغة للفيوميّ ، طبع مصر ، 1313 ه .