الشيخ حسن المصطفوي

316

التحقيق في كلمات القرآن الكريم

صحا ( 1 ) - زحّه يزحّه ، أي نحّاه عن موضعه . وزحزحته عن كذا أي باعدته عنه . وتزحزح أي تنحّى . وتقول هو بزحزح من ذاك ، أي ببعد منه . والتحقيق أنّ الأصل الواحد في هذه المادّة : هو الردّ مع التبعيد تدريجا ، وبهذا القيد يظهر الفرق بينها وبين موادّ - الردّ والدرء والدفع وو غيرها . فانّ الردّ هو مطلق المنع على العقب . والدرء هو الدفع مع شدّة . وو الدفع يلاحظ فيه مطلق المنع على عقب أم لا - راجع الدرء . * ( فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فازَ ) * - 3 / 185 ، * ( وَما هُوَ بِمُزَحْزِحِه ِ مِنَ الْعَذابِ أَنْ يُعَمَّرَ ) * - 2 / 96 - أي فمن ردّ وبوعد بالجريان التدريجي عن النار فقد فاز ، وذلك بواسطة العمل الصالح وتهذيب النفس وتطهير الأفكار ، وأمّا طول العمر وكثرة المال وعلوّ المقام وسائر العناوين الدنيويّة : فلا توجب البعد من العذاب والنار ولا القرب من الجنّة . والتعبير بصيغة المجهول : إشارة إلى أنّ جريان التباعد من النار لا يتحقّق بمجرّد الإرادة ولا يتحصّل بمحض الاختيار ، بل لا بدّ من تحصيل الصلاح في الظاهر والباطن حتّى يوفّق في هذا السير ، ويدلّ عليه التصريح في الآية الثانية بانّ طول العمر لا يزحزحه من العذاب ، فانّ مقابله صلاح العمل . ثمّ انّ صيغة الزحزحة بالتضعيف والتكرير : تدلّ على التدريج والتكوير . وتدلّ الآيتان الكريمتان : على أنّ الفوز والسعادة منحصر في طريق واحد ، وهو الزحزحة من النار وانتخاب مسير ينتهى إلى الجنّة . وما دام لم يختر سبيل الجنّة : فهو يسلك إلى النار ، ولو عاش واجتهد الف سنة .

--> ( 1 ) صحاح اللغة للجوهري ، طبع إيران ، 1270 ه‍ .