الشيخ حسن المصطفوي
264
التحقيق في كلمات القرآن الكريم
والى هذا المعنى يشار في قوله تعالى - . * ( تَعْرُجُ الْمَلائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْه ِ فِي يَوْمٍ كانَ مِقْدارُه ُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ ) * - 70 / 4 - أي تكون مدّة رجوعهم وعروجهم إلى اللَّه المتعال ، أي إلى منتهى الكمال والعظمة المطلوبة المقصودة لهم : يقدّر في عالمنا بهذا المقدار . وهذا المسير الطويل للروح والملائكة المجرّدة الزاكية ومن في مرتبتهم من عباده الصالحين المخلصين ، فكيف حال من كان في حجاب وغشاء وظلمة وضلال . وليس النظر في الآية الكريمة : إلى انحطاط درجة الروح والملائكة ، بل إلى عظمة مقام ذي الجلال وجلاله وارتفاع شأنه وعلوّ كبريائه . فمن كان متوجّها إلى كماله وسالكا في مسير الطلب : فهو في مرحلة الفوز والسعادة والنجاة ، ويتقلَّب في معارج البهاء والنور والجمال والجلال . وأمّا من أعرض عن هذا الطلب ، وانحرف عن مسير الحقّ والسعادة والبهجة والكمال ، وتردّى في أودية الضلال والخسران وظلمات الهوى : فهو في العذاب الدائم . وينتهى العذاب لهم إلى أشدّ ما يتصوّر عليهم : إذا توغَّلوا في الهوى والميل النفساني بحيث يحصل لهم الانقطاع عن الحقّ ، حتّى ييأسوا عن الروح والرحمة الواسعة الالهيّة - . * ( وَلا تَيْأَسُوا مِنْ رَوْحِ ا للهِ إِنَّه ُ لا يَيْأَسُ مِنْ رَوْحِ ا للهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكافِرُونَ ) * - 12 / 87 - فاليأس عن الرحمة وجريان النور والتوجّه من اللَّه المتعال من أكبر الآثام ، ولا يحصل اليأس الَّا إذا ارتطم في المعاصي وأحيط بالتمايلات النفسانيّة الظلمانيّة ، ومع هذا فليتوجّه إلى مقام عظمة الخالق وجلاله ورحمته الواسعة ، ما دام لم يحصل ختم القلوب والكفر التامّ فانّ اللَّه تعالى يغفر ذنوب من أناب اليه وأصلح وهو أرحم الراحمين .