الشيخ حسن المصطفوي
260
التحقيق في كلمات القرآن الكريم
تربيته علما وعملا في كلّ فنّ من فنون الكمالات الدنيويّة والعلوم المتداولة : فكذلك روحه : فانّه أيضا في زمان النفخ ضعيف جدّا على ما يلائم بدنه ، الَّا انّه مستعدّ للتربية الروحانيّة والتكميل المعنوىّ بالسير الباطنىّ والسلوك الإلهىّ وتزكية النفس وكسب الفضائل والمعارف والحقائق بالعبادة والرياضة وترك الهوى - على ما هو مقرّر في كتب السلوك إلى اللَّه تعالى . * ( وَمَرْيَمَ ابْنَتَ عِمْرانَ الَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَها فَنَفَخْنا فِيه ِ مِنْ رُوحِنا وَصَدَّقَتْ بِكَلِماتِ رَبِّها ) * - 66 / 12 - . * ( وَالَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَها فَنَفَخْنا فِيها مِنْ رُوحِنا وَجَعَلْناها وَابْنَها آيَةً ) * - 21 / 91 - الفرج له معنى كلَّى وهو من الانفراج أي الانكشاف ، والحصن بمعنى التحفّظ في نفس الشيء . - راجع الفرج . وتذكير الضمير في - فيه : إشارة إلى أنّ المراد في الباطن هو ابنه المتولَّد منها وان كان النفخ في الظاهر متوجّها إلى مريم عليها السلام ، لعدم وجود ولد له حين النفخ ، فهي وسيله وواسطة بها قد تحقّقت هذه الآية العظيمة . وأمّا تأنيثها في الآية الثانية : فانّ ابنها قد ذكر صريحا فيها - وجعلناها وابنها - فلا حاجة إلى اشراب التذكير وتضمينه ، وهذا المعنى لطف رجوع الضمير إلى الفرج في الأولى ، والى الموصول ( الَّتى ) في الثانية . وهاتان الآيتان الكريمتان تدلَّان أيضا : على أنّ الروح انّما تتحصّل بالنفخ الإلهىّ وأمره وإنشائه ، لا بالتكوّن بعد المادّة وفي أثرها كالطبائع المنطبعة في المادّة . مضافا إلى انّ المادّة في المورد قد تكوّنت بعد النفخ بل وبعد تكوّن الروح ولو بتأخّر غير زمانىّ . ولمّا كان هذا التولَّد كالنفخ من الأمور - الخارقة للطبيعة والخارجة عن قوانين المادّة : فيكون البحث عن خصوصيّاته و