الشيخ حسن المصطفوي
171
التحقيق في كلمات القرآن الكريم
انعكس أثرا وصار إلى ابتلاء ومضيقة وشدّة في العيشة . فالارغيداد هو المضيقة من هذه الجهة وبهذا اللحاظ لا مطلقا . وأمّا الرغيدة بمعنى الزبدة : فمن مصاديق الترفّه والتنعّم . فظهر أنّ تفسير المادّة بالسعة والرفه واللينة والخصب والطيب بالإطلاق خارج عن الأصل والحقيقة ، والأصل هو الرفاه في العيش وما يلحقه . * ( وَكُلا مِنْها رَغَداً حَيْثُ شِئْتُما ) * - 2 / 35 ، * ( ادْخُلُوا هذِه ِ الْقَرْيَةَ فَكُلُوا مِنْها حَيْثُ شِئْتُمْ رَغَداً ) * - 2 / 58 ، * ( يَأْتِيها رِزْقُها رَغَداً مِنْ كُلِّ مَكانٍ ) * - 16 / 112 فالرغد يجيء مصدرا كالتعب ، وصفة كالحسن ، وجمعا للراغد كالخدم للخادم ، ففي الآيتين الأوليين انّه جمع ، واطلاق الجمع على التثنية متداول في العرف كما في - . * ( هذانِ خَصْمانِ اخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ ) * . فهو حال من ضمير الفاعل في كلا وكلوا ، اى راغدين ، أي حالكونكم مرفّهين في عيشتكم ومهنّئين في ذلك الأكل ، وهذا أولى وأنسب وألطف من تقدير كلمة وجعله صفة لها - أكلا رغدا ، فانّ الترفّه الحقيقىّ هو من صفات الآكل لا الأكل ، مضافا إلى أنّ الأكل من حيث هو لا ينبغي أن يبحث عن خصوصيّاته . وأمّا الآية الثالثة : فالرزق كما قلنا هو العطاء الجاري والانعام بمقتضى حال الطرف بالإدرار مادّيّا أو معنويّا . ولمّا كان العيش متحقّقا بهذا الرزق بمفهومه الحقيقىّ العامّ : فجعل الرغد صفة ، متعلَّقا وحالا عنه . والمعنى - فكان الرزق العامّ الجاري الدارّ في القرية : به يدوم عيشتهم ، في حال كون الرزق مترفّها . فالرزق إذا لوحظ مستقلَّا ومنسوبا إلى المرتزق فهو رزق ، وإذا لوحظ بعد ما وصل اليه وانتفع به وتحمّله : فهو من مصاديق العيش الراغد .