الشيخ حسن المصطفوي

364

التحقيق في كلمات القرآن الكريم

فانّ تبديل كلمة عن مورده الحقّ ومقامه الصحيح ، يوجب محو ما فيه من اللطف والخصوصيّة الفارقة ، فينحرف الحقّ عن مقامه ، ويختلط الحق بالباطل ، ويشتبه المراد على العبيد ، ويوجب الضلال والخسران والغواية . ففي هذه الصورة : لا يزيد القرآن الَّا مزيد ريب وضلال ، ولا ينتج الَّا توارد الاشكال والاعتراض ، فيستدلّ كلّ قوم على ما يريده بتأويله ، ويتمسّك كلّ فرقه باطلة على طبق رأيه بتفسيره ، وليس هذا الَّا إغراء بالجهل . ولا يثمر الَّا إسقاط القرآن عن الإحكام والحجّيّة . فظهر أنّ كلّ كلمة في القرآن الكريم : انّما استعمل في معناه الحقيقي ويراد منه ما هو المدلول الحقّ الأصيل ليس الَّا . وبهذا ينكشف حقيقة اعجاز القرآن المجيد : فانّ استعمال الألفاظ على هذا النحو خارج عن عهدة البشر وقدرته ، لعدم إمكان احاطته وحضوره وعلمه بالجزئيّات علما حضوريّا وإحاطة فعليّة ، حتّى يأتي بكلّ كلمة في مورده ويستعمل كلّ جملة في مقامها الحقيقيّة ، من دون تجوّز . هذا في جهة الألفاظ ، وكذلك في بيان الحقائق والمعارف الالهيّة ، وتبيين ما يرتبط بالأخلاقيّات وتهذيب النفس ، وفي جعل الأحكام والتكاليف المتعلَّقة بالوظائف والأعمال البدنيّة . فهو تعالى محيط وعالم وحكيم ومدبّر بالإحاطة الحضوريّة الفعليّة بجميع أرقام الكلمات وبكلّ المعاني والمعارف والحقائق ، فيضع كلّ كلمة في موردها الَّذى اقتضاها ، ولا يصح تبديلها وتغييرها عنه ، وهكذا في المعاني .