الشيخ حسن المصطفوي
222
التحقيق في كلمات القرآن الكريم
مقابل تلك العظمة والجلال والجمال ، فلا يبقى لهم ميل ولا طلب ولا دعوة ، وهم حيران ، كلَّت أفكارهم وحسرت أبصارهم - فيك يا أعجوبة الكون غدا الفكر كليلا - فيكون ذكرهم حينئذ - سبحانك اللَّهم ، فينزّهون اللَّه تعالى عمّا قالوا فيه بمقتضى فكرهم وعالمهم المادّىّ المحدود . نعم انّهم انتقلوا إلى عالم وراء عالم ادراكهم ، واتّسعت دائرة حياتهم ، وانشرحت صدورهم ، وتنوّرت بصائرهم ، وأدركوا حقائق وأمورا ومشاهد لم يدركوها في الدنيا ، فيرون معارفهم السابقة ناقصة محدودة ، ويقولون : سبحانك اللَّهمّ ، فأنت المتعالي عمّا نقول ، والمنزّه عمّا نتصوّر ونتوهم ونتخيّل ، فهو فوق الإدراك والتعقّل والتفكَّر . ولا يخفى أنّ حقيقة التسبيح في هذا العالم أيضا لا يمكن الَّا بعد الانقطاع والانسلاخ والتجرّد والتبتّل عما في العالم ، حتّى يقول : سبحانك اللَّهمّ . ثمّ انهم فيما بينهم يحيون بالسلام ، من النقائض والقصور والعجز والضعف المتراءى لهم ، ويستمدّون من اللَّه المتعال في توفيقهم وترفيع درجاتهم وتكميل مراتبهم وتنوير قلوبهم وتشريح صدورهم . وبعد مشاهدة هذه الحالات ، والتنعم بهذه النعم في جنّات النعيم : تكون دعويهم فيها - الحمد للَّه ربّ العالمين ، فيرون كلّ نعمة من اللَّه المتعال ، ويشاهدون أنفسهم مستغرقين في رحمته ونعمته . وهكذا يكون حال من انشرحت صدوره ، وانقطعت قلوبه عن الحياة الدنيويّة ، فيشاهدون رحمته ونعمته وفضله وإحسانه ونوره محيطة بالعالم فيقولون : إنّ الحمد والنعمة لك لا شريك لك ، والحمد للَّه ربّ العالمين .