الشيخ حسن المصطفوي

302

التحقيق في كلمات القرآن الكريم

والتحقيق أنّ الأصل الواحد في هذه المادّة : هو الروغان ، يقال راغ اليه إذا مال نحوه يريد منه شيئا على سبيل الاحتيال ، ولمّا كان السمك يتحرّك ويجري ويميل في الماء يريد صيدا وغذاء ويحتال في تحصيل ذلك دائما يرى منه هذا الميل والحركة والاحتيال ، فسمّي بالحوت ، فالحوت هو السمك المتظاهر به ، ويلاحظ فيه هذه الخصوصيّة ، وهذا القيد يلازم إطلاقه على السمك المتراءى والمتظاهر في قبال الأعين ، وهو العظيم منه . * ( فَالْتَقَمَه ُ الْحُوتُ وَهُوَ مُلِيمٌ ) * - 37 / 142 . * ( وَلا تَكُنْ كَصاحِبِ الْحُوتِ إِذْ نادى وَهُوَ مَكْظُومٌ ) * - 68 / 48 . فلمّا أبق من قومه ولم يصبر ولم يستقم في هدايتهم وإصلاح أمورهم : صار صيدا ولقمة للحوت المحتال ، إلى أن تاب وتنبّه واستغفر وكان من المسبّحين ، ونادى ربّه وهو مكظوم . وهذا مصير من كان آبقا عن مولاه ، فليعتبر منه المعتبرون . * ( فَلَمَّا بَلَغا مَجْمَعَ بَيْنِهِما نَسِيا حُوتَهُما ) * . * ( فَإِنِّي نَسِيتُ الْحُوتَ وَما أَنْسانِيه ُ إِلَّا الشَّيْطانُ أَنْ أَذْكُرَه ُ ) * - 18 / 63 . السمك المحتال يكون في هذا المورد غذاء وصيدا لموسى ( ع ) ، إذ هو سائر إلى الكمال ومريد لأن يبلغ مجمع البحرين ، بحر الظاهر وبحر المعنى وهو مقام جمع الجمع ، حتّى يستعدّ للرسالة والدعوة ، ولازم أن يكون البالغ إلى هذا المقام أن يحفظ وظائف الظاهر والباطن ، وأن يتوجّه إلى كلا المقامين ، وأن لا يفوت عنه شيء من الجانبين . وهذا المعنى من تأويلات الآية الكريمة ، وبها يظهر لطف التعبير بالحوت ( لوجود الروغان ) ، وأمّا ظاهر الآية الشريفة : فراجع مادّة البحر . * ( إِذْ تَأْتِيهِمْ حِيتانُهُمْ يَوْمَ سَبْتِهِمْ ) * - 7 / 163 . أي يوم هم ممنوعون عن صيد السمك ، وهم يعدون ويخالفون أمره تعالى .