الشيخ حسن المصطفوي

187

التحقيق في كلمات القرآن الكريم

والتحقيق أنّ الأصل الواحد في هذه المادّة : هو بلوغ المحصول من الزرع وتحصيل النتيجة منه ، وهذا المعنى إنّما يتحقّق بعد الزرع وقبل الحصاد ، وفي هذا المقام ظهور ما زرع واخضراره وتجلَّيه . ويدلّ على هذا المعنى قوله تعالى : * ( أَفَرَأَيْتُمْ ما تَحْرُثُونَ أَأَنْتُمْ تَزْرَعُونَه ُ أَمْ نَحْنُ الزَّارِعُونَ ) * - 56 / 63 . أي قد زرعتموه أوّلا حتّى تحرثونه . وكذلك قوله تعالى : . * ( وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ ) * - 2 / 205 . فانّ إهلاك الزرع قبل ظهوره وبدوّه أو بعد حصاده لا معنى له . وهكذا : . * ( أَنِ اغْدُوا عَلى حَرْثِكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صارِمِينَ ) * - 88 / 22 . فإنّ الصرم إنّما يتعلَّق على الحرث الظاهر الموجود خارجا . * ( نِساؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ ) * - 2 / 223 . أي إنّهن كالحرث يوجب مشاهدتها ابتهاجا ومسرّة ، وهنّ محصولات لما عملتم في الحياة الدنيويّة تسكنون إليها وتعيشون معها وتدّخرونها للنسل : كما قال تعالى : * ( خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْواجاً لِتَسْكُنُوا إِلَيْها ) * ، * ( اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ وَأَنْبَتَتْ مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ ) * ، * ( سُبْحانَ الَّذِي خَلَقَ الأَزْواجَ كُلَّها ) * . وقد اشتبه على المفسّرين تفسير هذه الآية حيث فسّروا الحرث بالزرع ووقعوا في انحراف عن الحقيقة ، فانّ النساء للسكون إليها والتعيّش معها في الحياة توجب الانس بها مسرّة وبهجة ، والزرع من آثار تلك الحياة . * ( مَنْ كانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدُّنْيا نُؤْتِه ِ مِنْها ) * - 42 / 20 . أي محصولا ممّا يعمل في الحياة الدنيويّة ونتيجة مادّية ، في مقابل محصول اخرويّ كما في : من كان يريد حرث الآخرة نزد له في حرثه . ثمّ إنّ مفاهيم الكسب والجمع والدرس والسير بالناقة : كلَّها من هذا الأصل