الشيخ حسن المصطفوي
326
التحقيق في كلمات القرآن الكريم
فالأوّل - بكى يبكى بكاء . قال الخليل : هو مقصور وممدود ، وتقول باكيت فلانا فبكيته ، أي كنت أبكى منه . قال الأصمعىّ : بكيت الرجل وبكيّته : كلاهما إذا بكيت عليه . وأبكيته : صنعت به ما يبكيه . والأصل الآخر - قولهم للناقة القليل اللبن هي بكيئة . وبكى : نقص ، وأصله الهمزة ، من بكأت الناقة تبكأ : إذا قلّ لبنها ، وبكؤت تبكؤ أيضا . لسا ( 1 ) - واستبكيته وأبكيته بمعنى . والتبكاء : كثرة البكاء . وتباكى : تكلَّف البكاء . والبكىّ : الكثير البكاء ، على فعيل . ورجل باك ، والجمع بكاة وبكىّ على فعول مثل جالس وجلوس ، إلَّا أنّهم قلبوا الواو ياءً . والتحقيق أنّ الأصل الواحد في هذه المادّة : هو ما يقابل الضحك . واختلاف معاني الصيغ على مقتضى هيآتها المجرّدة والمزيد فيها . وأمّا معنى النقصان والقلَّة : فهو غير مربوط بهذه المادّة ، بل هو مدلول مادّة البكؤ بهمز اللام - كما في كتب اللغة . ثمّ إنّ البكاء والضحك يختلف مفهومهما باختلاف الموارد : ففي الإنسان لا يحتاج إلى البيان ، وفي سائر الموجودات على ما هو مقتضى سرورها وحزنها ، وانبساطها وتأثّرها ، أي الحالة الَّتى توجد بعد هذه البسطة والقبضة . * ( فَما بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّماءُ وَالأَرْضُ ) * - 44 / 29 . أي ما تغيّرت حالهما ، ولم يوجد تغيير ولا اختلاف في نظم العالم وفي حركات السماء والأرض . * ( فَلْيَضْحَكُوا قَلِيلًا وَلْيَبْكُوا كَثِيراً جَزاءً بِما كانُوا يَكْسِبُونَ ) * - 9 / 82 . فإنّ الإنسان مقيّد ومحدود في عالم المادّة ، ولازم له أن يعمل بوظائفه الإنسانيّة والإلهيّة ، ويسلك إلى اللَّه المتعال ، ولا يتلَّون ولا يتلوّث ولا يغترّ بالحياة
--> ( 1 ) لسان العرب لابن منظور ، طبع بيروت ، 15 مجلداً ، 1376 ه .