الشيخ حسن المصطفوي
245
التحقيق في كلمات القرآن الكريم
والتحقيق أنّ الأصل الواحد في هذه المادّة هو الزوال في مورد الابتلاء والمضيقة وفي ما لا يلائم ، وبهذا اللحاظ تختلف خصوصيّات معناه باختلاف الموارد ، فإذا كان الابتلاء من جهة الظلمة : يقال برحت الليلة والبارحة . وإذا كان من جهة خفاء الأمر وإبهامه : يقال برح الخفاء أي اتّضح الأمر ورفع الإبهام . وإذا كان من التسترّ بالظلّ وذى الظلّ : يقال إنّه برح مكانه والبراح . وإذا كان من جهة اجتماع التراب : يقال برحت الريح التراب فهي بارح . فالأصل في جميع هذه الموارد محفوظ ، وهو زوال ما انكدر وكره من ابتلاء وظلمة وإبهام وخفاء وتستّر وتقيّد وغيرها . وظهر أنّ معنى الظهور والبروز والانكشاف والتبيّن والوضوح والمضىّ كلَّها من لوازم ذلك الأصل الواحد . وأمّا الشدّة والعظم والتعب والأذى والجهد وأمثالها : فلا يخفى أنّ هذه المعاني من متعلَّقات الزوال ومن قيوده ، أي من مصاديق ( ما كره وانكدر ) ، وإطلاق المادّة عليها باعتبار كونها في معرض الزوال ، فيكون الزوال من قيود هذه المعاني ، فترجع إلى الأصل الواحد . * ( لا أَبْرَحُ حَتَّى أَبْلُغَ مَجْمَعَ الْبَحْرَيْنِ ) * - 18 / 60 . أي لا أزول عن تحملّ المشقّة والتعب والجهد فيما لا يلائم إلى أن أبلغ المحلّ . * ( لَنْ نَبْرَحَ عَلَيْه ِ عاكِفِينَ حَتَّى يَرْجِعَ إِلَيْنا مُوسى ) * - 20 / 91 . أي لا نزول عن هذا العكوف المبهم المكروه في الواقع إلى أن يرجع إلينا موسى . * ( فَلَنْ أَبْرَحَ الأَرْضَ حَتَّى يَأْذَنَ لِي أَبِي أَوْ يَحْكُمَ ا للهُ ) * - 12 / 80 . أي لن أزول عن التلبّث في أرض مصر ولا أخرج منها ، أو عن التعيّش في مطلق وجه الأرض بحال الغربة والانقطاع عن العلائق والوسائل إلى أن يأذن أبى .