الشيخ حسن المصطفوي
238
التحقيق في كلمات القرآن الكريم
قال بعضهم : البذر في الحبوب كالشعير والحنطة ، والبزر في الرياحين والبقول . وبذرت الكلام : فرقته ، وبذّرت بالتثقيل مبالغة وتكثير فتبذّر ، ومنه اشتقّ التبذير في المال لأنّه تفريق من غير القصد . أسا ( 1 ) - بذر الحبّ في الأرض ، وبذر اللَّه الخلق في الأرض : فرّقهم . وتبذّر من يدي كذا : تفرّق . ورجل بذر : يبذّر ماله . والتحقيق أنّ الأصل الواحد في هذه المادّة : هو نثر مع التفريق ، واستعملت كثيرا في نثر الحبّ وتفريق المال خارجا عن الميزان . والنثر : هو رمى في نشر . * ( وَآتِ ذَا الْقُرْبى حَقَّه ُ وَالْمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَلا تُبَذِّرْ تَبْذِيراً إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كانُوا إِخْوانَ الشَّياطِينِ ) * - 17 / 26 . أي ولا تفرّق مالك ولا تصرفه خارجا عن البرنامج ، سواء كان الصرف والتفريق في هؤلاء الطوائف أو في غيرهم ، فانّ في التبذير تضييع لمال اللَّه ولحقوق الناس وإخلال في النظم . والفرق بين التبذير والإسراف : أنّ التبذير كما قلنا هو نثر مع التفريق والإسراف هو التجاوز عن الحدّ والعدل . وقد عبّر تعالى في هذا المورد بكلمة التبذير : إشارة إلى أنّ صرف المال فيهم في الأكثر لا يكون إسرافا ولا يخرج عن حدّ العدل ، نعم تفريق المال فيهم بلا نظم وبلا برنامج خارج عن التدبير والعدل . ولا يخفى أنّ تفريق المال ينشأ في الغالب عن داعية نفسانيّة واستكبار وغرور ، والاستكبار أعظم صفة للشيطان ، فالمبذّر يكون شبيها وأخا للشيطان .
--> ( 1 ) أساس البلاغة ، للزمخشري ، طبع مصر ، 1960 م .