الشيخ حسن المصطفوي
110
التحقيق في كلمات القرآن الكريم
القوم ، وقد تكون للاستيناف بمعنى لكن عند تعذّر الحمل على الاستثناء ، نحو ما رأيت القوم إلَّا حمارا ، ومنه قوله تعالى - * ( قُلْ لا أَسْئَلُكُمْ عَلَيْه ِ أَجْراً إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبى ) * ، إذ لو كانت للاستثناء لكانت المودّة مسؤولة أجرا وليس كذلك . وقد تأتى بمعنى الواو ، كقوله : * ( لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَيْكُمْ حُجَّةٌ إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا ) * - فمعناه والَّذين ظلموا أيضا لا يكون لهم عليكم حجّة . الكافية - المستثنى متّصل ومنقطع ، فالمتّصل هو المخرج عن متعدّد لفظا أو تقديرا بالَّا وأخواتها . والمنقطع هو المذكور بعدها غير مخرج . وهو منصوب إذا كان بعد إلَّا غير الصفة في كلام موجب أو مقدّما على المستثنى منه أو منقطعا ، في الأكثر . كليا ( 1 ) - وإلَّا الاستثنائيّة قد تكون عاطفة بمنزلة الواو في التشريك - * ( لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَيْكُمْ حُجَّةٌ إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا ) * . أي ولا الَّذين ظلموا . وتكون بمعنى بلّ - * ( إِلَّا تَذْكِرَةً لِمَنْ يَخْشى ) * . وبمعنى لكن - * ( لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُصَيْطِرٍ إِلَّا مَنْ تَوَلَّى وَكَفَرَ ) * ، ونحو - * ( إِلَّا مَا اضْطُرِرْتُمْ ) * . وتكون صفة بمعنى غير فيوصف بها وبتاليها جمع منكَّر أو شبهه - * ( لَوْ كانَ فِيهِما آلِهَةٌ إِلَّا ا للهُ لَفَسَدَتا ) * ، والمراد بشبه الجمع المنكَّر : الجمع المعرّف بلام الجنس ، والمفرد غير المختصّ بواحد . وكون إلَّا - في هذه الآية للاستثناء غير صحيح من جهة اللفظ والمعنى ، إذ المعنى حينئذ : لو كان فيهما آلهة ليس فيهم اللَّه لفسدتا ، وهو باطل باعتبار مفهومه . وأمّا اللفظ : فلانّ آلهة جمع منكَّر في الإثبات فلا عموم له فلا يصحّ الاستثناء منه . والتحقيق أنّ هذه الكلمة تدلّ على الاستثناء في جميع الموارد ، والتفاسير المختلفة لها إنّما نشأت من الغفلة عن درك اللطائف المقصودة في الآيات المذكورة . وليعلم أنّ الاستثناء ليس معناه الإخراج عن عموم لفظ سابق وهو المسمّى بالمستثنى منه كالقوم في ما جاءني القوم إلَّا زيد .
--> ( 1 ) الكليات لأبي البقاء الكوفي الحنفي ، طبع إيران 1286 ه .