المزي

189

تهذيب الكمال

وقال قدامة بن محمد الخشرمي ، عن محمد بن صالح التمار : كان صفوان بن سليم يأتي البقيع في الأيام . فيمر بي فاتبعته ذات يوم وقلت : والله لأنظرن ما يصنع . فقنع رأسه ، وجلس إلى قبر منها ، فلم يزل يبكي حتى رحمته . قال : ظننت أنه قبر بعض أهله ، قال : فمر بي مرة أخرى فاتبعته ، فقعد إلى جنب قبر غيره ففعل مثل ذلك ، فذكرت ذلك لمحمد بن المنكدر ، وقلت : إنما ظننت أنه قبر بعض أهله ، فقال محمد : كلهم أهله وإخوته ، إنما هو رجل يحرك قلبه بذكر الأموات ، كلما عرضت له قسوة ، قال : ثم جعل محمد بن المنكدر بعد يمر بي فنأتي البقيع ، فسلمت عليه ذات يوم ، فقال : أما نفعتك موعظة صفوان ، فظننت أنه انتفع بما ألقيت إليه منها . وقال أحمد بن يحيى الصوفي ( 1 ) ، عن أبي غسان النهدي : سمعت سفيان بن عيينة ، وأعانه على الحديث أخوه ، قال : حلف صفوان بن سليم ألا يضع جنبه بالأرض حتى يلقى الله ، فمكث على ذلك أكثر من ثلاثين عاما ، فلما حضرته الوفاة ، واشتد به النزع والعلز ( 2 ) ، وهو جالس ، فقالت ابنته ، يا أبت لو وضعت جنبك ، فقال : يا بينه إذا ما وفيت لله بالنذر والحلف ، فمات ، وإنه لجالس ، قال سفيان : فأخبرني الحفار الذي يحفر قبور أهل المدينة قال : حفرت قبر رجل فإذا أنا قد وقعت على قبر ، فوافيت جمجمة ، فإذا السجود قد أثر في عظام الجمجمة ، فقلت لإنسان : قبر من هذا ، فقال : أو ما تدري ، هذا قبر صفوان بن سليم .

--> ( 1 ) حلية الأولياء : 3 / 159 مختصرا . ( 2 ) العلز : القلق والكرب عند الموت ، وشبه رعدة تأخذ المريض .