ابن كثير
490
تفسير القرآن العظيم ( تفسير ابن كثير )
انكدرت " وكقوله تعالى " وإذا الكواكب انتثرت " " وإذا السماء فرجت " أي انفطرت وانشقت وتدلت أرجاؤها ووهت أطرافها ( وإذا الجبال نسفت ) أي ذهب بها فلا يبقى لها عين ولا أثر كقوله تعالى " ويسألونك عن الجبال فقل ينسفها ربي نسفا " الآية وقال تعالى " ويوم نسير الجبال وترى الأرض بارزة وحشرناهم فلم نغادر منهم أحدا " . وقوله تعالى ( وإذا الرسل أقتت ) قال العوفي عن ابن عباس جمعت . وقال ابن زيد وهذه كقوله تعالى " يوم يجمع الله الرسل " وقال مجاهد " أقتت " أجلت وقال الثوري عن منصور عن إبراهيم " أقتت " أوعدت وكأنه يجعلها كقوله تعالى " وأشرقت الأرض بنور ربها ووضع الكتاب وجئ بالنبيين والشهداء وقضي بينهم بالحق وهم لا يظلمون " . ثم قال تعالى " لأي يوم أجلت ليوم الفصل وما أدراك ما يوم الفصل ويل يومئذ للمكذبين " يقول تعالى لأي يوم أجلت الرسل وأرجئ أمرها حتى تقوم الساعة كما قال تعالى " فلا تحسبن الله مخلف وعده رسله إن الله عزيز ذو انتقام يوم تبدل الأرض غير الأرض والسماوات وبرزوا لله الواحد القهار " وهو يوم الفصل كما قال تعالى " ليوم الفصل " ثم قال تعالى معظما لشأنه ( وما أدراك ما يوم الفصل ويل يومئذ للمكذبين ) أي ويل لهم من عذاب الله غدا وقد قدمنا في الحديث أن ويل واد في جهنم ولا يصح ألم نهلك الأولين ( 16 ) ثم نتبعهم الآخرين ( 17 ) كذلك نفعل بالمجرمين ( 18 ) ويل يومئذ للمكذبين ( 19 ) ألم نخلقكم من ماء مهين ( 20 ) فجعلناه في قرار مكين ( 21 ) إلى قدر معلوم ( 22 ) فقدرنا فنعم القادرون ( 23 ) ويل يومئذ للمكذبين ( 24 ) ألم نجعل الأرض كفاتا ( 25 ) أحياء وأمواتا ( 26 ) وجعلنا فيها رواسي شامخات وأسقيناكم ماء فراتا ( 27 ) ويل يومئذ للمكذبين ( 28 ) يقول تعالى ( ألم نهلك الأولى ) يعني من المكذبين للرسل المخالفين لما جاءوهم به . ( ثم نتبعهم الآخرين ) أي ممن أشبههم ولهذا قال تعالى ( كذلك نفعل بالمجرمين ويل يومئذ للمكذبين ) قاله ابن جرير ثم قال تعالى ممتنا على خلقه ومحتجا على الإعادة بالبداءة ( ألم نخلقكم من ماء مهين ) أي ضعيف حقير بالنسبة إلى قدرة البارئ عز وجل كما تقدم في سورة يس في حديث بشر بن جحاش " ابن آدم أنى تعجزني وقد خلقتك من مثل هذه ؟ " ( فجعلناه في قرار مكين ) يعني جمعناه في الرحم وهو قرار الماء من الرجل والمرأة والرحم معد لذلك حافظ لما أودع فيه من الماء . وقوله تعالى ( إلى قدر معلوم ) يعني إلى مدة معينة من ستة أشهر أو تسعة أشهر . ولذا قال تعالى ( فقدرنا فنعم القادرون ويل يومئذ للمكذبين ) ثم قال تعالى ( ألم نجعل الأرض كفاتا أحياء وأمواتا ) قال ابن عباس كفاتا كنا وقال مجاهد يكفت الميت فلا يرى منه شئ وقال الشعبي بطنها لأمواتكم وظهرها لاحيائكم . وكذا قال مجاهد وقتادة ( وجعلنا فيها رواسب شامخات ) يعني الجبال رسى بها الأرض لئلا تميد وتضطرب " وأسقيناكم ماء فراتا " أي عذبا زلالا من السحاب أو مما أنبعه من عيون الأرض ( ويل يومئذ للمكذبين ) أي ويل لمن تأمل هذه المخلوقات الدالة على عظمة خالقها ثم بعد هذا يستمر على تكذيبه وكفره . انطلقوا إلى ما كنتم به تكذبون ( 29 ) انطلقوا إلى ظل ذي ثلاث شعب ( 30 ) لا ظليل ولا يغنى من اللهب ( 31 ) إنها ترمى بشرر كالقصر ( 32 ) كأنه جمالت صفر ( 33 ) ويل يومئذ للمكذبين ( 34 ) هذا يوم لا ينطقون ( 35 ) ولا يؤذن لهم فيعتذرون ( 36 ) ويل يومئذ للمكذبين ( 37 ) هذا يوم الفصل جمعناكم والأولين ( 38 ) فإن كان لكم كيد