ابن كثير
282
تفسير القرآن العظيم ( تفسير ابن كثير )
( وكذبوا واتبعوا أهواءهم ) أي كذبوا بالحق إذ جاءهم واتبعوا ما أمرتهم به آراؤهم وأهواؤهم من جهلهم وسخافة عقلهم وقوله " وكل أمر مستقر " قال قتادة معناه أن الخير واقع بأهل الخير والشر واقع بأهل الشر وقال ابن جريج مستقر بأهله وقال مجاهد " وكل أمر مستقر " أي يوم القيامة وقال السدي مستقر أي واقع . وقوله تعالى ( ولقد جاءهم من الانباء ) أي من الاخبار عن قصص الأمم المكذبين بالرسل وما حل بهم من العقاب والنكال والعذاب مما يتلى عليهم في هذا القرآن " ما فيه مزدجر " أي ما فيه واعظ لهم عن الشرك والتمادي على التكذيب . وقوله تعالى ( حكمة بالغة ) أي في هدايته تعالى لمن هداه وإضلاله لمن أضله " فما تغني النذر " يعني أي شئ تغني النذر عمن كتب الله عليه الشقاوة وختم على قلبه ؟ فمن الذي يهديه من بعد الله ؟ وهذه الآية كقوله تعالى " قل فالله الحجة البالغة فلو شاء لهداكم أجمعين " وكذا قوله تعالى " وما تغني الآيات والنذر عن قوم لا يؤمنون " . فتول عنهم يوم يدع الداع إلى شئ نكر ( 6 ) خشعا أبصارهم يخرجون من الأجداث كأنهم جراد منتشر ( 7 ) مهطعين إلى الداع يقول الكافرون هذا يوم عسر ( 8 ) يقول تعالى فتول يا محمد عن هؤلاء الذين إذا رأوا آية يعرضوا ويقولوا هذا سحر مستمر أعرض عنهم وانتظرهم " يوم يدع الداع إلى شئ نكر " أي إلى شئ منكر فظيع وهو موقف الحساب وما فيه من البلاء والزلازل والأهوال " خشعا أبصارهم " أي ذليلة أبصارهم " يخرجون من الأجداث " وهي القبور " كأنهم جراد منتشر " أي كأنهم في انتشارهم وسرعة سيرهم إلى موقف الحساب إجابة للداعي جراد منتشر في الآفاق ولهذا قال ( مهطعين ) أي مسرعين " إلى الداعي " لا يخالفون ولا يتأخرون " يقول الكافرون هذا يوم عسر " أي يوم شديد الهول عبوس قمطرير " فذلك يوم عسير على الكافرين غير يسير " . * كذبت قبلهم قوم نوح فكذبوا عبدنا وقالوا مجنون وازدجر ( 9 ) فدعا ربه أني مغلوب فانتصر ( 10 ) ففتحنا أبواب السماء بماء منهمر ( 11 ) وفجرنا الأرض عيونا فالتقى الماء على أمر قد قدر ( 12 ) وحملناه على ذات ألواح ودسر ( 13 ) تجري بأعيننا جزاء لمن كان كفر ( 14 ) ولقد تركناها آية فهل من مدكر ( 15 ) فكيف كان عذابي ونذر ( 16 ) ولقد يسرنا القرآن للذكر فهل من مدكر ( 17 ) يقول تعالى " كذبت " قبل قومك يا محمد " قوم نوح فكذبوا عبدنا " أي صرحوا له بالتكذيب واتهموه بالجنون " وقالوا مجنون وازدجر " قال مجاهد وازدجر أي استطير جنونا وقيل وازدجر أي انتهروه وزجروه وتواعدوه لئن لم تنته يا نوح لتكونن من المرجومين قاله ابن زيد وهذا متوجه حسن " فدعا ربه أني مغلوب فانتصر " أي إني ضعيف عن هؤلاء وعن مقاومتهم فانتصر أنت لدينك قال الله تعالى ( ففتحنا أبواب السماء بماء منهمر ) قال السدي وهو الكثير ( وفجرنا الأرض عيونا ) أي نبعت جميع أرجاء الأرض حتى التنانير التي هي محال النيران نبعت عيونا " فالتقى الماء " أي من السماء والأرض " على أمر قد قدر " أي أمر مقدر . قال ابن جريج عن ابن عباس ( ففتحنا أبواب السماء بماء منهمر ) كثير لم تمطر السماء قبل ذلك اليوم ولا بعده