ابن كثير
231
تفسير القرآن العظيم ( تفسير ابن كثير )
وانتهاؤه إلى البيت العتيق وهو الكعبة كما قال تعالى " هديا بالغ الكعبة " وقال " والهدي معكوفا أن يبلغ محله " وقد تقدم الكلام على معنى البيت العتيق قريبا ولله الحمد ، وقال ابن جريج عن عطاء قال : كان ابن عباس يقول كل من طاف بالبيت فقد حل قال الله تعالى " ثم محلها إلى البيت العتيق " . ولكل أمة جعلنا منسكا ليذكروا اسم الله على ما رزقهم من بهيمة الأنعام فإلهكم إله واحد فله أسلموا وبشر المخبتين ( 34 ) الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم والصابرين على ما أصابهم والمقيمي الصلاة ومما رزقناهم ينفقون ( 35 ) يخبر تعالى أنه لم يزل ذبح المناسك وإراقة الدماء على اسم الله مشروعا في جميع الملل ، وقال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس " ولكل أمة جعلنا منسكا " قال عيدا وقال عكرمة ذبحا ، وقال زيد بن أسلم في قوله " ولكل أمة جعلنا منسكا " إنها مكة لم يجعل الله لامة قط منسكا غيرها ، وقوله " ليذكروا اسم الله على ما رزقهم من بهيمة الأنعام " كما ثبت في الصحيحين عن أنس قال أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم بكبشين أملحين أقرنين فسمى وكبر ووضع رجله على صفاحهما ، قال الإمام أحمد بن حنبل حدثنا يزيد بن هارون أنبأنا سلام بن مسكين عن عائذ الله المجاشعي عن أبي داود - وهو نفيع بن الحارث - عن زيد بن أرقم قال قلت أو قالوا يا رسول الله ما هذه الأضاحي ؟ قال " سنة أبيكم إبراهيم " قالوا ما لنا منها ؟ قال : " بكل شعرة حسنة " قال فالصوف ؟ قال " بكل شعرة من الصوف حسنة " وأخرجه الإمام أبو عبد الله محمد بن يزيد ابن ماجة في سننه من حديث سلام بن مسكين به . وقوله " فإلهكم إله واحد فله أسلموا " أي معبودكم واحد وإن تنوعت شرائع الأنبياء ونسخ بعضها بعض فالجميع يدعون إلى عبادة الله وحده لا شريك له " وما أرسلنا من قبلك من رسول إلا نوحي إليه أنه لا إله إلا أنا فاعبدون " ولهذا قال " فله أسلموا " أي أخلصوا واستسلموا لحكمه وطاعته " وبشر المخبتين " قال مجاهد المطمئنين وقال الضحاك وقتادة المتواضعين وقال السدي الوجلين وقال عمرو بن أوس : المخبتين الذين لا يظلمون وإذا ظلموا لم ينتصروا ، وقال الثوري " وبشر المخبتين " قال المطمئنين الراضين بقضاء الله المستسلمين له وأحسن بما يفسر بما بعده هو قوله " الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم " أي خافت منه قلوبهم " والصابرين على ما أصابهم " أي من المصائب ، قال الحسن البصري والله لنصبرن أو لنهلكن " والمقيمي الصلاة " قرأ الجمهور بالإضافة السبعة وبقية العشرة أيضا ، وقرأ ابن السميفع " والمقيمين الصلاة " بالنصب وعن الحسن البصري " والمقيمي الصلاة " وإنما حذف النون ههنا تخفيفا ولو حذفت للإضافة لوجب خفض الصلاة ولكن على سبيل التخفيف فنصبت أي المؤدين حق الله فما أوجب عليهم من أداء فرائضه " ومما رزقناهم ينفقون " أي وينفقون ما آتاهم الله من طيب الرزق على أهليهم وأقاربهم وفقرائهم ومحاويجهم ويحسنون إلى الخلق مع محافظتهم على حدود الله ، وهذه بخلاف صفات المنافقين فإنهم بالعكس من هذا كله كما تقدم تفسيره في سورة براءة . والبدن جعلناها لكم من شعائر الله لكم فيها خير فاذكروا اسم الله عليها صواف فإذا وجبت جنوبها فكلوا منها وأطعموا القانع والمعتر كذلك سخرناها لكم لعلكم تشكرون ( 36 ) يقول تعالى ممتنا على عبيده فيما خلق لهم من البدن وجعلها من شعائره وهو أنه جعلها تهدي إلى بيته الحرام بل هي أفضل ما يهدى إليه كما قال تعالى " لا تحلوا شعائر الله ولا الشهر الحرام ولا الهدي ولا القلائد ولا آمين