ابن كثير
183
تفسير القرآن العظيم ( تفسير ابن كثير )
ويشربون مثل الناس ويدخلون الأسواق للتكسب والتجارة وليس ذلك بضار لهم ولا ناقص منهم شيئا كما توهمه المشركون في قولهم " ما لهذا الرسول يأكل الطعام ويمشي في الأسواق لولا أنزل إليه ملك فيكون معه نذيرا * أو يلقى إليه كنز أو تكون له جنة يأكل منها " الآية ، وقوله " وما كانوا خالدين " أي في الدنيا بل كانوا يعيشون ثم يموتون " وما جعلنا لبشر من قبلك الخلد " وخاصتهم أنهم يوحى إليهم من الله عز وجل تنزل عليهم الملائكة عن الله بما يحكمه في خلقه مما يأمر به وينهى عنه ، وقوله " ثم صدقناهم الوعد " أي الذي وعدهم ربهم ليهلكن الظالمين صدقهم الله وعده وفعل ذلك ولهذا قال " فأنجيناهم ومن نشاء " أي أتباعهم من المؤمنين " وأهلكنا المسرفين " أي المكذبين بما جاءت به الرسل . لقد أنزلنا إليكم كتبا فيه ذكركم أفلا تعقلون ( 10 ) وكم قصمنا من قرية كانت ظالمة وأنشأنا بعدها قوما آخرين ( 11 ) فلما أحسوا بأسنا إذا هم منها يركضون ( 12 ) لا تركضوا وارجعوا إلى ما أترفتم فيه ومساكنكم لعلكم تسئلون ( 13 ) قالوا يولينا إنا كنا ظالمين ( 14 ) فما زالت تلك دعواهم حتى جعلناهم حصيدا خامدين ( 15 ) يقول تعالى منبها على شرف القرآن ومحرضا لهم على معرفة قدره " لقد أنزلنا إليكم كتابا فيه ذكركم " قال ابن عباس شرفكم وقال مجاهد حديثكم وقال الحسن دينكم " أفلا تعقلون " أي هذه النعمة وتتلقونها بالقبول كما قال تعالى " وإنه لذكر لك ولقومك وسوف تسألون " وقوله " وكم قصمنا من قرية كانت ظالمة " هذه صيغة تكثير كما قال " وكم أهلكنا من القرون من بعد نوح " وقال تعالى " وكأين من قرية أهلكناها وهي ظالمة فهي خاوية على عروشها " الآية . وقوله " وأنشأنا بعدها قوما آخرين " أي أمة أخرى بعدهم " فلما أحسوا بأسنا " أي تيقنوا أن العذاب واقع بهم لا محالة كما وعدهم نبيهم " إذا هم منها يركضون " أي يفرون هاربين " لا تركضوا وارجعوا إلى ما أترفتم فيه ومساكنكم " هذا تهكم بهم نزرا أي قيل لهم نزرا لا تركضوا هاربين من نزول العذاب وارجعوا إلى ما كنتم فيه من النعمة والسرور والمعيشة والمساكن الطيبة ، قال قتادة استهزاء بهم " لعلكم تسئلون " أي عما كنتم فيه من أداء شكر النعم " قالوا يا ويلنا إنا كنا ظالمين " اعترفوا بذنوبهم حين لا ينفعهم ذلك " فما زالت تلك دعواهم حتى جعلناهم حصيدا خامدين " أي ما زالت تلك المقالة وهي الاعتراف بالظلم هجيراهم حتى حصدناهم حصدا وخمدت حركاتهم وأصواتهم خمودا . وما خلقنا السماء والأرض وما بينهما لاعبين ( 16 ) لو أردنا أن نتخذ لهوا لأتخذنه من لدنا إن كنا فعلين ( 17 ) بل نقذف بالحق على البطل فيدمغه فإذا هو زاهق ولكم الويل مما تصفون ( 18 ) وله من في السماوات والأرض ومن عنده لا يستكبرون عن عبادته ولا يستحسرون ( 19 ) يسبحون الليل والنهار لا يفترون ( 20 ) يخبر تعالى أنه خلق السماوات والأرض بالحق أي بالعدل والقسط ليجزي الذين أساءوا بما عملوا ويجزي الذين أحسنوا بالحسنى والله لم يخلق ذلك عبثا ولا لعبا كما قال " وما خلقنا السماء والأرض وما بينهما باطلا ذلك ظن الذين كفروا فويل للذين كفروا من النار " وقوله تعالى " لو أردنا أن نتخذ لهوا لاتخذناه من لدنا إن كنا فاعلين " قال ابن أبي نجيح عن مجاهد " لو أردنا أن نتخذ لهوا لاتخذناه من لدنا " يعني من عندنا ، يقول وما خلقنا جنة ولا نارا ولا موتا ولا بعثا ولا حسابا ، وقال الحسن وقتادة وغيرهما " لو أردنا أن نتخذ لهوا " اللهو المرأة بلسان أهل اليمن وقال إبراهيم النخعي " لاتخذناه " من الحور العين ، وقال عكرمة والسدي : المراد باللهو ههنا الولد وهذا والذي قبله متلازمان وهو كقوله تعالى " لو أراد الله أن يتخذ ولدا لاصطفى مما يخلق ما يشاء سبحانه هو الله