ابن كثير
174
تفسير القرآن العظيم ( تفسير ابن كثير )
يقول تعالى " ويسألونك عن الجبال " أي هل تبقى يوم القيامة أو تزول ؟ " فقل ينسفها ربي نسفا " أي يذهبها عن أماكنها ويمحقها ويسيرها تسييرا " فيذرها " أي الأرض " قاعا صفصفا " أي بساطا واحدا والقاع هو المستوي من الأرض والصفصف تأكيد لمعنى ذلك وقيل الذي لا نبات فيه والأول أولى وإن كان الآخر مرادا أيضا باللازم ولهذا قال " لا ترى فيها عوجا ولا أمتا " لا ترى في الأرض يومئذ واديا ولا رابية ولا مكانا منخفضا ولا مرتفعا كذا قال ابن عباس وعكرمة ومجاهد والحسن البصري والضحاك وقتادة وغير واحد من السلف " يومئذ يتبعون الداعي لا عوج له " أي يوم يرون هذه الأحوال والأهوال يستجيبون مسارعين إلى الداعي حيثما أمروا بادروا إليه ولو كان هذا في الدنيا لكان أنفع لهم ولكن حيث لا ينفعهم كما قال تعالى " أسمع بهم وأبصر يوم يأتوننا " وقال " مهطعين إلى الداعي " وقال محمد بن كعب القرظي يحشر الله الناس يوم القيامة في ظلمة ويطوي السماء وتتناثر النجوم وتذهب الشمس والقمر وينادي مناد فيتبع الناس الصوت يؤمونه ، فذلك قوله " يومئذ يتبعون الداعي لا عوج له " وقال قتادة لا عوج له لا يميلون عنه وقال أبو صالح لا عوج له لا عوج عنه وقوله " وخشعت الأصوات للرحمن " قال ابن عباس سكنت وكذا قال السدي " فلا تسمع إلا همسا " قال سعيد بن جبير عن ابن عباس يعني وطئ الاقدام وكذا قال عكرمة ومجاهد والضحاك والربيع بن أنس وقتادة وابن زيد وغيرهم وقال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس " فلا تسمع إلا همسا " الصوت الخفي وهو رواية عن عكرمة والضحاك وقال سعيد بن جبير " فلا تسمع إلا همسا " الحديث وسره ووطئ الاقدام فقد جمع سعيد كلا القولين وهو محتمل أما وطئ الاقدام فالمراد سعي الناس إلى المحشر وهو مشيهم في سكون وخضوع ، وأما الكلام الخفي فقد يكون في حال دون حال فقد قال تعالى " يوم يأت لا تكلم نفس إلا بإذنه فمنهم شقي وسعيد " . يومئذ لا تنفع الشفعة إلا من أذن له الرحمن ورضي له قولا ( 109 ) يعلم ما بين أيديهم وما خلفهم ولا يحيطون به علما ( 110 ) * وعنت الوجوه للحي القيوم وقد خاب من حمل ظلما ( 111 ) ومن يعمل من الصالحات وهو مؤمن فلا يخاف ظلما ولا هضما ( 12 1 ) يقول تعالى يومئذ أي يوم القيامة لا تنفع الشفاعة أي عنده " إلا من أذن له الرحمن ورضي له قولا " كقوله " من ذا الذي يشفع عنده إلا بإذنه " وقوله " وكم من ملك في السماوات لا تغني شفاعتهم شيئا إلا من بعد أن يأذن الله لمن يشاء ويرضى " وقال " ولا يشفعون إلا لمن ارتضى وهم من خشيته مشفقون " وقال " ولا تنفع الشفاعة عنده إلا لمن أذن له " وقال " يوم يقوم الروح والملائكة صفا لا يتكلمون إلا من أذن له الرحمن وقال صوابا " وفي الصحيحين من غير وجه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو سيد ولد آدم وأكرم الخلائق على الله عز وجل أنه قال " آتي تحت العرش وأخر لله ساجدا ويفتح علي بمحامد لا أحصيها الآن فيدعني ما شاء الله أن يدعني ثم يقول يا محمد ارفع رأسك وقل يسمع واشفع تشفع - قال - فيحد لي حدا فأدخلهم الجنة ثم أعود " فذكر أربع مرات صلوات الله وسلامه عليه وعلى سائر الأنبياء . وفي الحديث أيضا " يقول تعالى أخرجوا من النار من كان في قلبه مثقال حبة من إيمان فيخرجوا خلقا كثيرا ثم يقول أخرجوا من النار من كان في قلبه نصف مثقال من إيمان ، أخرجوا من النار من كان في قلبه ما يزن ذرة من كان في قلبه أدنى أدنى مثقال ذرة من إيمان " الحديث ، وقوله " يعلم ما بين أيديهم وما خلفهم " أي يحيط علما بالخلائق كلهم " ولا يحيطون به علما " كقوله " ولا يحيطون بشئ من علمه إلا بما شاء " وقوله " وعنت الوجوه للحي القيوم " قال ابن عباس وغير واحد خضعت وذلت واستسلمت الخلائق لجبارها الحي الذي لا يموت ، القيوم الذي لا ينام وهو قيم على كل شئ يدبره ويحفظه فهو الكامل في نفسه الذي كل شئ فقير إليه لا قوام له إلا به ، وقوله " وقد خاب من حمل ظلما " أي