ابن كثير

453

تفسير القرآن العظيم ( تفسير ابن كثير )

يخبر تعالى عن قدرته على كل شئ وأنه خلق السماوات والأرض في ستة أيام وأن عرشه كان على الماء قيل ذلك كما قال الإمام أحمد : حدثنا أبو معاوية حدثنا الأعمش عن جامع بن شداد عن صفوان بن محرز عن عمران بن حصين قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " اقبلوا البشرى يا بني تميم " قالوا قد بشرتنا فأعطنا قال " اقبلوا البشري يا أهل اليمن " قالوا قد قبلنا فأخبرنا عن أول هذا الأمر كيف كان ؟ قال " كان الله قبل كل شئ وكان عرشه على الماء وكتب في اللوح المحفوظ ذكر كل شئ " . قال : فأتاني آت فقال يا عمران انحلت ناقتك من عقالها قال فخرجت في إثرها فلا أدري ما كان بعدي ، وهذا الحديث مخرج في صحيحي البخاري ومسلم بألفاظ كثيرة فمنها قالوا جئناك نسألك عن أول هذا الامر فقال " كان الله ولم يكن شئ قبله وفي رواية - غيره - وفي رواية - معه - وكان عرشه على الماء وكتب في الذكر كل شئ ثم خلق السماوات والأرض " وفي صحيح مسلم عن عبد الله بن عمرو بن العاص قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " إن الله قدر مقادير الخلائق قبل أن يخلق السماوات والأرض بخمسين ألف سنة وكان عرشه على الماء " وقال البخاري في تفسير هذه الآية : حدثنا أبو اليمان أخبرنا شعيب أخبرنا أبو الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال " قال الله عز وجل أنفق أنفق عليك " . وقال " يد الله ملاى لا يغيضها نفقة سحاء الليل والنهار " وقال " أفرأيتم ما أنفق منذ خلق السماوات والأرض فإنه لم يغض ما في يمينه وكان عرشه على الماء وبيده الميزان يخفض ويرفع " . وقال الإمام أحمد : حدثنا يزيد بن هارون أخبرنا حماد بن سلمة عن يعلى بن عطاء عن وكيع بن عدس عن عمه أبي رزين واسمه لقيط بن عامر بن المنتفق العقيلي قال : قلت يا رسول الله أين كان ربنا قبل أن يخلق خلقه ؟ قال " كان في عماء ما تحته هواء وما فوقه هواء ثم خلق العرش بعد ذلك " . وقد رواه الترمذي في التفسير وابن ماجة في السنن من حديث يزيد بن هارون به وقال الترمذي هذا حديث حسن وقال مجاهد " وكان عرشه على الماء " قبل أن يخلق شيئا وكذا قال وهب بن منبه وضمرة وقتادة وابن جرير وغير واحد وقال قتادة في قوله " وكان عرشه على الماء " ينبئكم كيف كان بدء خلقه قبل أن يخلق السماوات والأرض وقال الربيع بن أنس " وكان عرشه على الماء " فلما خلق السماوات والأرض قسم ذلك الماء قسمين فجعل نصفا تحت العرش وهو البحر المسجور . وقال ابن عباس إنما سمي العرش عرشا لارتفاعه وقال إسماعيل بن أبي خالد سمعت سعدا الطائي يقول : العرش ياقوتة حمراء وقال محمد بن إسحاق في قوله تعالى " هو الذي خلق السماوات والأرض في ستة أيام وكان عرشه على الماء " فكان كما وصف نفسه تعالى إذ ليس إلا الماء وعليه العرش وعلى العرش ذو الجلال والاكرام والعزة والسلطان والملك والقدرة والحلم والعلم والرحمة والنعمة الفعال لما يريد ، وقال الأعمش عن المنهال بن عمرو عن سعيد بن جبير قال : سئل ابن عباس عن قول الله " وكان عرشه على الماء " على أي شئ كان الماء ؟ قال على متن الريح وقوله تعالى " ليبلوكم أيكم أحسن عملا " أي خلق السماوات والأرض لنفع عباده الذين خلقهم ليعبدوه ولا يشركوا به شيئا ولم يخلق ذلك عبثا كقوله " وما خلقنا السماء والأرض وما بينهما باطلا ذلك ظن الذين كفروا فويل للذين كفروا من النار " وقال تعالى " أفحسبتم أنما خلقناكم عبثا وأنكم إلينا لا ترجعون فتعالى الله الملك الحق لا إله إلا هو رب العرش الكريم " وقال تعالى " ما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون " الآية ، وقوله " ليبلوكم " أي ليختبركم " أيكم أحسن عملا " ولم يقل أكثر عملا بل أحسن عملا ولا يكون العمل حسنا حتى يكون خالصا لله عز وجل على شريعة رسول الله فمتى فقد العمل واحدا من هذين الشرطين حبط وبطل . وقوله " ولئن قلت إنكم مبعوثون من بعد الموت " الآية . يقول تعالى ولئن أخبرت يا محمد هؤلاء المشركين أن الله سيبعثهم بعد مماتهم كما بدأهم مع أنهم يعملون أن الله تعالى هو الذي خلق السماوات والأرض كما قال تعالى " ولئن سألتهم من خلقهم ليقولن الله " " ولئن سألتهم من خلق السماوات والأرض وسخر الشمس والقمر ليقولن الله " وهم مع هذا ينكرون البعث والمعاد يوم القيامة الذي هو بالنسبة إلى القدرة أهون من البداءة كما قال تعالى " وهو الذي يبدأ الخلق