ابن كثير
361
تفسير القرآن العظيم ( تفسير ابن كثير )
قال تعالى في الآية الأخرى التي في براءة " ورضوان من الله أكبر " أي أعظم مما أعطاهم من النعيم المقيم ثم قال تعالى " والله بصير بالعباد " أي يعطي كلا بحسب ما يستحقه من العطاء . الذين يقولون ربنا إننا أمنا فاغفر لنا ذنوبنا وقنا عذاب النار ( 16 ) الصابرين والصادقين والقانتين والمنفقين والمستغفرين بالاسحار ( 17 ) يصف تبارك وتعالى عباده المتقين الذين وعدهم الثواب الجزيل فقال تعالى " الذين يقولون ربنا إننا آمنا " أي بك وبكتابك وبرسولك " فاغفر لنا ذنوبنا " أي بإيماننا بك وبما شرعته لنا فاغفر لنا ذنوبنا وتقصيرنا من أمرنا بفضلك ورحمتك " وقنا عذاب النار " ثم قال تعالى " الصابرين " أي في قيامهم بالطاعات وتركهم المحرمات " والصادقين " فيما أخبروا به من إيمانهم بما يلتزمونه من الأعمال الشاقة " والقانتين " والقنوت الطاعة والخضوع " والمنفقين " أي من أموالهم في جميع ما أمروا به من الطاعات وصلة الأرحام والقرابات وسد الخلات ومواساة ذوي الحاجات " والمستغفرين بالاسحار " دل على فضيلة الاستغفار وقت الأسحار وقد قيل : إن يعقوب عليه السلام لما قال لبنيه " سوف أستغفر لكم ربي " أنه أخرهم إلى وقت السحر . وثبت في الصحيحين وغيرهما من المساند والسنن من غير وجه من جماعة من الصحابة أن رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم قال " ينزل الله تبارك وتعالى في كل ليلة إلى السماء الدنيا حين يبقى ثلث الليل الأخير فقول : هل من سائل فأعطيه ؟ هل من داع فأستجيب له ؟ هل من مستغفر فأغفر له ؟ " الحديث . وقد أفرد الحافظ أبو الحسن الدارقطني في ذلك جزء على حدة فرواه من طرق متعددة . وفي الصحيحين عن عائشة رضي الله عنها قالت : من كل الليل قد أوتر رسول الله صلى الله صلى الله عليه وسلم من أوله وأوسطه وآخره فانتهى وتره إلى السحر . وكان عبد الله بن عمر يصلي من الليل ثم يقول : يا نافع هل جاء السحر ؟ فإذا قال : نعم أقبل على الدعاء والاستغفار حتى يصبح رواه ابن أبي حاتم . وقال ابن جرير : حدثنا ابن وكيع حدثنا أبي عن حريث بن أبي مطر عن إبراهيم بن حاطب عن أبيه قال : سمعت رجلا في السحر في ناحية المسجد وهو يقول : يا رب أمرتني فأطعتك وهذا السحر فاغفر لي فنظرت فإذا هو ابن مسعود رضي الله عنه . وروى ابن مردويه عن أنس بن مالك قال : كنا نؤمر إذا صلينا من الليل أن نستغفر في آخر السحر سبعين مرة . شهد الله أنه لا إله إلا هو والملائكة وأولوا العلم قائما بالقسط لا إله إلا هو العزيز الحكيم ( 18 ) إن الدين عند الله الاسلام وما اختلف الذين أوتوا الكتاب إلا من بعد ما جاءهم العلم بغيا بينهم ومن يكفر بآيات الله فإن الله سريع الحساب ( 19 ) فإن حاجوك فقل أسلمت وجهي لله ومن اتبعن وقل للذين أوتوا الكتاب والأميين أأسلمتم فإن أسلموا فقد اهتدوا وإن تولوا فإنما عليك البلاغ والله بصير بالعباد ( 20 ) شهد تعالى وكفى به شهيدا وهو أصدق الشاهدين وأعدلهم وأصدق القائلين " أنه لا إله إلا هو " أي المنفرد بالإلهية لجميع الخلائق وأن الجميع عبيده وخلقه وفقراء إليه وهو الغني عما سواه كما قال تعالى " لكن الله يشهد بما أنزل إليك " الآية ثم قرن شهادة ملائكته وأولي العلم بشهادته فقال " شهد الله أنه لا إله إلا هو والملائكة وأولوا العلم " وهذه خصوصية عظيمة للعلماء في هذا المقام " قائما بالقسط " منصوب على الحال وهو في جميع الأحوال كذلك " لا إله إلا هو " تأكيد لما سبق " العزيز الحكيم " العزيز الذي لا يرام جنابه عظمة وكبرياء الحكيم في أقواله وأفعاله وشرعه وقدره وقال الإمام أحمد حدثنا يزيد بن عبد ربه حدثنا بقية بن الوليد حدثني جبير بن عمرو القرشي