السيد مصطفى الخميني

63

تحريرات في الأصول

فالذي هو الحق في هذا الميدان : هو أن العقاب والثواب إما يكونان مجعولين ، أو يكونان ملازمين للأفعال السيئة التي كشف عنها الشرع : فإن قلنا في هذه المسألة بالجعل ، فلا معنى لاستحقاق العقوبة على الظلم - بما هو ظلم - إلا بعد جعل الشرع عقابا عليه ، وحيث إنه ليس في الشريعة لعنوان الظلم عقاب مجعول ، بل العقاب مجعول على العناوين الخاصة - كعنوان الغصب ، والقتل ، وضرب اليتيم ، وأكل مال الغير ، وقطع الطريق ، وأمثال ذلك - فلا معنى لاستحقاق العقوبة على الظلم بما هو ظلم ، بل العبد إذا ارتكب إحدى المحرمات الشرعية ، يستحق العقوبة عليها بالضرورة ، كما هو الواضح . وما ترى من التحذير من الظلم في الآيات ، فهو - بناء على هذا - يرجع إلى التحذير مما هو المحرم شرعا ، والمجعول عليه العقاب ، ضرورة أنه لو كان للغصب عقاب ، ولشرب المسكر عقاب ، وللظلم عقاب ، يلزم تعدد العقاب . مع أن جعل العقاب على الظلم ، لا يمكن إلا باعتبار تحريم الظلم شرعا ، وتحريمه ممتنع ، ضرورة أنه يلزم اجتماع الإرادتين التأسيسيتين المستقلتين في مثل الغصب وغيره ، لأنه باعتبار الغصب منهي ، وباعتبار الظلم منهي بنهي آخر ، وهذا لا يعقل إلا بين العناوين التي بينها العموم من وجه ، وبين الظلم والغصب وسائر العناوين المحرمة ، عموم وخصوص مطلق ، وقد مر منا توضيح امتناعه بما لا مزيد عليه مرارا ( 1 ) . فبالجملة : لو كان العقاب من المجعولات الشرعية ( 2 ) ، فاستحقاق العقوبة على الظلم تابع جعل المولى ، وهذا غير ممكن بالنسبة إلى عنوان الظلم ، إلا بأن يرجع جميع المحرمات إلى حرمة الظلم ، وهذا مما لا يلتزم به أحد ، فحرمة الظلم -

--> 1 - تقدم في الجزء الرابع : 142 - 146 . 2 - شرح الإشارات 3 : 371 ، نهاية الدراية 3 : 28 .