عبد اللطيف البغدادي
43
التحقيق في الإمامة وشؤونها
المؤمنين ؟ قال : كرهت قريش أن تجتمع لكم النبوة والخلافة فتجفخوا الناس جفخاً ( 1 ) . فنظرت قريش لا نفسها فاختارت ووفّقت وأصابت ، فقال أبن عبّاس : أيميطُ أمير المؤمنين عني غضبه فيسمع ؟ قال : قل ما تشاء ، قال : أمّا قول أمير المؤمنين : أن قريشاً كرهت أن تجتمع لكم النبوة والخلافة ، فإن الله عَزّ وجَلّ وصف قوماً بالكراهة بقوله تعالى : ( ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَرِهُوا مَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأَحْبَطَ أَعْمَالَهُمْ ( [ محمد / 10 ] ، وأمّا قولك فتجفخوا الناس جفخاً ( أو تجخفوا الناس ) فلو جفخنا بالخلافة لجفخنا بالقرابة ولكنا قوم أخلاقنا مشتقة من خُلُق رسول الله ( ص ) الذي قال الله تعالى مخاطباً له : ( وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ ( [ القلم / 5 ] ، وقال له : ( وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِمَنْ اتَّبَعَكَ مِنْ الْمُؤْمِنِينَ ( [ الشعراء / 216 ] ، وأمّا قولك فنظرت قريش لا نفسها فاختارت ووفقت وأصابت ، فإن الله تعالى يقول : ( وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ مَا كَانَ لَهُمْ الْخِيَرَةُ ( وقد علمت يا أمير المؤمنين أن الله قد اختار من خلقه مَنْ اختار ، فلو نظرت قريش من حيث نظر الله لها لوفقت وأصابت . فقال عمر : على رسلك يا بن عبّاس أبت قلوبكم يا بني هاشم إلاّ حسداً وغشاً في أمر قريش لا يزول ، وحقداً عليها لا يحول ، فقال ابن عبّاس مهلاً يا أمير المؤمنين لا تنسب قلوب بني هاشم إلى الحسد والغش فإن قلوبهم من قلب رسول الله ( ص ) الذي طهرّه الله وزكّاه مع أهل بيته الذين
--> ( 1 ) جفخ جفخاً : أي تكبر وتطاول على غيره ، وفي بعض النصوص فتجخفوا الناس جخفاً ، ومعنى أجخف أي مال ، وجخف جخفاً أي افتخر بأكثر مّما عنده . راجع ( المنجد ) ص 77 وص 91 .