عبد اللطيف البغدادي
140
التحقيق في الإمامة وشؤونها
فقالوا : ان هذا الفتى وان راقك منه هدية إلاّ انه صبي لا معرفة له ولا فقه ، فأمهله ليتأدّب ثم اصنع ما تراه بعد ذلك ، فقال لهم : ويحكم إني أعرف بهذا الفتى منكم ، وانّ أهل هذا البيت علمهم من الله ، وموادّه وإلهامه ، لم تزل آباؤه أغنياء في علم الدين ، والأدب عن الرعايا الناقصة عن حدّ الكمال ، فإن شئتم فامتحنوه بما يتبيّن لكم به ما وصفت من حاله ، قالوا : قد رضينا لك يا أمير المؤمنين ولأنفسنا بامتحانه ، فخلّ بيننا وبينه لننصب مَن يسأله بحضرتك عن شيءٍ من فقه الشريعة ، فان أصاب في الجواب عنه لم يكن لنا اعتْراض في أمره ، وظهر للخاصة والعامة سديد رأي أمير المؤمنين فيه ، وان عجز عن ذلك فقد كفينا الخطب في معناه ، فقال لهم المأمون شأنكم وذلك متى أردتم . مسألة يحيى بن أكثم للإمام الجواد ( ع ) فخرجوا من عنده ، وأجمع رأيهم على مسألة يحيى بن أكثم وهو يومئذٍ قاضي الزمان ، على أن يسأله مسألة لا يعرف الجواب فيها ، ووعدوه بأموالٍ نفيسة على ذلك . وعادوا إلى المأمون وسألوه أن يختار لهم يوماً للاجتماع ، فأجابهم إلى ذلك ، فاجتمعوا في اليوم الذي إتّفقوا عليه ، وحضر معهم يحيى بن أكثم وأمر المأمون بأن يُفرش لأبي جعفر فراشاً حسناً وان يجعل له مسوّرتان ، ( أي وسادتان ) ، فَفُعِلَ له ذلك . وخرج أبو جعفر فجلس بين المسورتين ، وجلس القاضي مقابله ، وجلس الناس من خواص الدولة وأعيانها وحجّابها وقوّادها في مراتبهم وعلى قدر طبقاتهم ومنازلهم ، والمأمون جالس إلى جنب أبي جعفر ( ع )