السيد حسين بن محمدرضا البروجردي
529
تفسير الصراط المستقيم
لغرائب صنع الربوبيّة إذ لا فرق في ذلك بين البعوضة والفيلة بل بينها وبين السماوات والأرضين ، لأنّ الصنع الظاهر في كلّ منهما متساوقان بل هما كفرسي رهان ورضيعي لبان في الدلالة على الصانع الحكيم المبدع للوجود والأعيان . قال مولانا أمير المؤمنين عليه السّلام في خطبة له رواها في نهج البلاغة : ولو فكروا في عظيم القدرة وجسيم النعمة لرجعوا إلى الطريق ، وخافوا عذاب الحريق ، ولكن القلوب عليلة ، والأبصار « 1 » مدخولة أفلا ينظرون إلى صغير ما خلق كيف أحكم خلقه وأتقن تركيبه وفلق له السمع والبصر ، وسوّى له العظم والبشر ، انظروا إلى النّملة في صغر جثتها ولطافة هيئتها لا تكاد ، تنال بلحظ البصر ، ولا مستدرك الفكر كيف دبّت على أرضها ، وضنّت على رزقها ، تنقل الحبّة إلى جحرها وتعدّها في مستقرها ، تجمع في حرّها لبردها وفي ورودها « 2 » لصدرها ، مكفولة برزقها ، مزروعة برفقها ، لا يغطها المنان ، ولا يحرمها الديان ولو في الصفا اليابس والحجر الجامس ، ولو فكّرت في مجاري أكلها وفي علوها وسفلها ، وما في الجوف من شراسيف بطنها ، وما في الرأس من عينها وأذنها لقضيت من خلقها عجبا ، ولقيت من وصفها تعبا فتعالى الَّذي أقامها على قوائمها ، وبناها على دعائمها لم يشرك في فطرتها فاطر ، ولم يعنه في خلقها قادر ، ولو ضربت في مذاهب فكرك لتبلغ غاياته ، ما دلَّتك الدلالة إلَّا على أنّ فاطر النملة هو فاطر النخلة ، لدقيق تفصيل كل شيء ، وغامض إختلاف كل حي ، وما الجليل واللطيف والثقيل والخفيف والقوي والضعيف في خلقه إلَّا سواء ، وكذلك السماء والهواء ، والرياح والماء ، فانظر إلى الشمس والقمر ، والنبات والشجر ، والماء والحجر ، واختلاف هذا الليل والنهار ، وتفجر هذه الأنهار ، وكثرة
--> ( 1 ) في نسخة : والبصائر . ( 2 ) في نسخة : وفي وردها .