السيد حسين بن محمدرضا البروجردي
281
تفسير الصراط المستقيم
ثانيها : أنّ المراد تشبيه صورة صنيعهم مع اللَّه وعبوديّتهم له من حيث إظهار الإيمان ، واستبطان الكفر والسّعي في إيذاء الرسول والإصرار في دفع الحقّ عن وصيّه ، وشقّ عصا المسلمين ، ومحادّة النّبي والمؤمنين وصنع اللَّه بهم بإجراء أحكام المسلمين عليهم ، وهم عنده أخبث الكفّار ، وأهل الدّرك الأسفل من النّار ، وإبقاء ما منحهم من قوّة ونعمة وعافية ، وغيرها من الفيوض التكوينيّة وامتثال الرسول والمؤمنين أمر اللَّه تعالى في إخفاء حالهم وإجراء حكم الإسلام عليهم ، كلّ ذلك استدراجا لهم * ( مِنْ حَيْثُ لا يَعْلَمُونَ ) * ، وإملاء لهم * ( لِيَزْدادُوا إِثْماً ولَهُمْ عَذابٌ مُهِينٌ ) * بصورة صنع المخادعين اللَّذين يخفي كلّ منهما لصاحبه المكروه حتّى يوقعه فيه . ويشير إليه ما رواه العيّاشي عن الصّادق عليه السّلام انّ النّبي صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم سئل فيما النّجاة غدا ؟ قال : إنّما النّجاة أن لا تخادعوا اللَّه فيخدعكم فانّ من يخادع اللَّه يخدعه ، ويخلع منه الإيمان ونفسه يخدع لو يشعر ، قيل له وكيف يخادع اللَّه ؟ قال : يعمل ما أمره اللَّه عزّ وجل ثمّ يريد به غيره ، فاتّقوا الرياء فانّه شرك باللَّه تعالى « 1 » . وفي التوحيد والمعاني والعيون والاحتجاج عن الرّضا عليه السّلام : انّه سئل عن قول اللَّه عزّ وجلّ : * ( سَخِرَ اللَّه مِنْهُمْ ) * « 2 » وعن قوله : * ( اللَّه يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ ) * « 3 » وعن قوله : * ( ومَكَرُوا ومَكَرَ اللَّه ) * « 4 » وعن قوله : * ( يُخادِعُونَ اللَّه وهُوَ خادِعُهُمْ ) * « 5 » فقال : إنّ اللَّه عزّ وجلّ لا يسخر ، ولا يستهزئ ، ولا يمكر ، ولا يخادع ، ولكنّه عزّ وجلّ يجازيهم جزاء السّخرية ، وجزاء الاستهزاء ، وجزاء المكر والخديعة ، تعالى اللَّه عمّا
--> ( 1 ) تفسير العياشي ج 1 ص 283 وعنه البحار ج 83 ص 227 . ( 2 ) التوبة : 79 . ( 3 ) البقرة : 15 . ( 4 ) آل عمران : 54 . ( 5 ) النساء : 142 .