السيد حسين بن محمدرضا البروجردي

20

تفسير الصراط المستقيم

وقد قيل : إن العرب تسمي كل جامع أمر أو متقدم لأمر إذا كانت له توابع تتبعه أما ، فيقولون : أم الرأس للجلدة التي تجمع الدماغ ، وأم القرى لمكة لأن الأرض دحيت من تحتها « 1 » . وقيل : سميت لأن سور القرآن تتبعها كما يتبع الجيش أمّه وهي الراية .

--> ( 1 ) قال الطريحي في « مجمع البحرين » في ذيل كلمة ( أمم ) قوله تعالى : * ( وإِنَّه فِي أُمِّ الْكِتابِ ) * الآية ، يعني في أصل الكتاب ، يريد اللوح المحفوظ وأم الكتاب أيضا فاتحة الكتاب ، وسميت أما لأنها أوله وأصله ، ولأن السورة تضاف إليها ولا تضاف هي إلى شيء ، وقيل : سميت أما لأنها جامعة لأصل مقاصده ومحتوية على رؤوس مطالبه ، والعرب يسمون ما يجمع أشياء متعددة أما كما يسمون الجلدة الجامعة للدماغ وحواسه أم الرأس ، ولأنها فذلكة لما فصل في القرآن المجيد لاشتمالها على المعاني في القرآن من الثناء على اللَّه بما هو أهله ، ومن التعبد بالأمر والنهي ، والوعد والوعيد ، فكأنه نشأ وتولد منها بالتفصيل بعد الإجمال ، كما سميت مكة أم القرى لأن الأرض دحيت منها . وقال الشيخ البهائي قدّس سرّه في « العروة الوثقى » : وجه اشتمال هذه السورة الكريمة على مقاصد الكتاب العزيز إما أن تلك المقاصد راجعة إلى أمرين : هما الأصول الاعتقادية والفروع العملية ، أو هما معرفة عز الربوبية وذل العبودية ، وإما إنها ترجع إلى ثلاثة هي : تأدية حمده وشكره جل شأنه ، والتعبد بأمره ونهيه ، ومعرفة وعده ووعيده ، وإما إلى أربعة هي : وصفه سبحانه بصفات الكمال والقيام بما شرعه من وظائف الأعمال ، وتبين درجات الفائزين بالنعم والأفضال ، وتذكر دركات الهاوين في مهاوي الغضب والضلال ، وإما إلى خمسة هي : العلم بأحوال المبدأ والمعاد ، ولزوم جادة الإخلاص في العمل والاعتقاد ، والتوسل إليه جل شأنه في طلب الهداية إلى سبيل الحق والسداد ، والرغبة في الاقتداء بالذين ربحت تجارتهم بإعداد الزاد ليوم التناد ، والرهبة من اقتفاء أثر الذين خسروا أنفسهم بترك الزاد وإهمال الاستعداد ، ولا مرية في تضمين هذه السورة الكريمة جميع هذه المطالب العظيمة .