السيد حسين بن محمدرضا البروجردي
78
تفسير الصراط المستقيم
وأمّا ما يقال من أنّا لا نسلَّم أنّ نبوّة نبينا صلَّى اللَّه عليه وآله بل وغيره من الأنبياء عليهم السّلام لا يصحّ إلَّا مع القول بالنسخ ، لاحتمال أن يكون شرع من سبقه محدودا إلى بعثته ، إذ من الجائز أنّ موسى وعيسى عليهم السّلام أمر الناس بشرعهم إلى ظهور محمد صلَّى اللَّه عليه وآله ، ثمّ بعد ذلك أمرا الناس باتباع شرعه فبعد ظهوره زال التكليف بشرعهما وحصل التكليف بشرع محمد صلَّى اللَّه عليه وآله بمقتضى أمرهما ، ومثله لا يكون نسخا ، بل جاريا مجرى قوله : * ( ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيامَ إِلَى اللَّيْلِ ) * « 1 » بل قيل : إنّ المسلمين الذين أنكروا وقوع النسخ أصلا بنوا مذهبهم على هذا الكلام ، نظرا إلى أنّه قد ثبت في القرآن أنّ موسى وعيسى بشّرا في التوراة والإنجيل بمبعث محمّد صلَّى اللَّه عليه وآله ، وأنّ بالفتح عند ظهوره يجب الرجوع إلى شرعه ، ومعه يمتنع الجزم بالنسخ . ففيه أنّا لا نعني بالنسخ إلَّا زوال الحكم الثابت سابقا ، وإبطاله بعد ثبوته والتعبّد به ، بلا فرق بين كون الحكمين في شريعة واحدة ، أو في شريعتين ، ولا بين الإخبار بزواله وعدمه ، فكلّ من الكليم والمسيح عليهم السّلام وإن بشّرا قومهما برسول يأتي من بعدهما اسمه أحمد ، وأمرا الناس باتّباع الرسول النبي الأمي الذي يجدونه مكتوبا عندهم في التوراة والإنجيل يأمرهم بالمعروف ، وينهاهم عن المنكر ويحلّ لهم الطيبات ويحرّم عليهم الخبائث ، ويضع عنهم إصرهم والأغلال التي كانت عليهم ، إلَّا أنّ هذا إخبار منهما ببطلان حكم شريعتهما بعد قدومه ، لا أنّ التديّن بشريعته صلَّى اللَّه عليه وآله من أحكام شريعتهما ، بل كونه إخبارا عن انتهاء حكم شريعتهما بشريعته لا يخرجه عن النسخ كما توهم ، بل كأنّه إختيار لأحد
--> ( 1 ) البقرة : 178 .