عبد الله بن محمد الشيرازي الشافعي البيضاوي

89

أنوار التنزيل وأسرار التأويل ( تفسير البيضاوي )

بعض مأمورا كان أو منهيا حسنا كان أو غيره ، ولذلك جهلهم فقال : * ( ما لَهُمْ بِذلِكَ مِنْ عِلْمٍ إِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ ) * يتمحلون تمحلا باطلا ، ويجوز أن تكون الإشارة إلى أصل الدعوى كأنه لما أبدى وجوه فسادها وحكى شبهتهم المزيفة نفى أن يكون لهم بها علم من طريق العقل ، ثم أضرب عنه إلى إنكار أن يكون لهم سند من جهة النقل فقال : * ( أَمْ آتَيْناهُمْ كِتاباً مِنْ قَبْلِه ) * من قبل القرآن أو ادعائهم ينطق على صحة ما قالوه . * ( فَهُمْ بِه مُسْتَمْسِكُونَ ) * بذلك الكتاب متمسكون . بَلْ قالُوا إِنَّا وَجَدْنا آباءَنا عَلى أُمَّةٍ وإِنَّا عَلى آثارِهِمْ مُهْتَدُونَ ( 22 ) وكَذلِكَ ما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَذِيرٍ إِلَّا قالَ مُتْرَفُوها إِنَّا وَجَدْنا آباءَنا عَلى أُمَّةٍ وإِنَّا عَلى آثارِهِمْ مُقْتَدُونَ ( 23 ) * ( بَلْ قالُوا إِنَّا وَجَدْنا آباءَنا عَلى أُمَّةٍ وإِنَّا عَلى آثارِهِمْ مُهْتَدُونَ ) * أي لا حجة لهم على ذلك عقلية ولا نقلية ، وإنما جنحوا فيه إلى تقليد آبائهم الجهلة ، وال * ( أُمَّةٍ ) * الطريقة التي تؤم كالراحلة للمرحول إليه ، وقرئت بالكسر وهي الحالة التي يكون عليها الآم أي القاصد ومنها الدين . * ( وَكَذلِكَ ما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَذِيرٍ إِلَّا قالَ مُتْرَفُوها إِنَّا وَجَدْنا آباءَنا عَلى أُمَّةٍ وإِنَّا عَلى آثارِهِمْ مُقْتَدُونَ ) * تسلية لرسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وسلم ودلالة على أن التقليد في نحو ذلك ضلال قديم ، وأن مقدميهم أيضا لم يكن لهم سند منظور إليه ، وتخصيص المترفين إشعار بأن التنعم وحب البطالة صرفهم عن النظر إلى التقليد . قالَ أَولَوْ جِئْتُكُمْ بِأَهْدى مِمَّا وَجَدْتُمْ عَلَيْه آباءَكُمْ قالُوا إِنَّا بِما أُرْسِلْتُمْ بِه كافِرُونَ ( 24 ) فَانْتَقَمْنا مِنْهُمْ فَانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ ( 25 ) * ( قالَ أَولَوْ جِئْتُكُمْ بِأَهْدى مِمَّا وَجَدْتُمْ عَلَيْه آباءَكُمْ قالُوا ) * أي أتتبعون آبائكم ولو جئتكم بدين أهدى من دين آبائكم ، وهي حكاية أمر ماض أوحي إلى النذير ، أو خطاب لرسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وسلم ، ويؤيد الأول أنه قرأ ابن عامر وحفص * ( قالَ ) * وقوله : * ( قالُوا إِنَّا بِما أُرْسِلْتُمْ بِه كافِرُونَ ) * أي وإن كان أهدى إقناطا للنذير من أن ينظروا أو يتفكروا فيه . * ( فَانْتَقَمْنا مِنْهُمْ ) * بالاستئصال . * ( فَانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ ) * ولا تكترث بتكذيبهم . وإِذْ قالَ إِبْراهِيمُ لأَبِيه وقَوْمِه إِنَّنِي بَراءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ ( 26 ) إِلَّا الَّذِي فَطَرَنِي فَإِنَّه سَيَهْدِينِ ( 27 ) وجَعَلَها كَلِمَةً باقِيَةً فِي عَقِبِه لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ ( 28 ) * ( وَإِذْ قالَ إِبْراهِيمُ ) * واذكر وقت قوله هذا ليروا كيف تبرأ عن التقليد وتمسك بالدليل ، أو ليقلدوه إن لم يكن لهم بد من التقليد فإنه أشرف آبائهم . * ( لأَبِيه وقَوْمِه إِنَّنِي بَراءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ ) * بريء من عبادتكم أو معبودكم ، مصدر نعت به ولذلك استوى فيه الواحد والمتعدد والمذكر والمؤنث ، وقرئ « بريء » و « براء » ككريم وكرام . * ( إِلَّا الَّذِي فَطَرَنِي ) * استثناء منقطع أو متصل على أن « ما » يعم أولي العلم وغيرهم ، وأنهم كانوا يعبدون اللَّه والأصنام والأوثان ، أو صفة على أن « ما » موصوفة أي إنني بريء من آلهة تعبدونها غير الذي فطرني . * ( فَإِنَّه سَيَهْدِينِ ) * سيثبتني على الهداية ، أو سيهديني إلى ما وراء ما هداني إليه . * ( وَجَعَلَها ) * وجعل إبراهيم عليه الصلاة والسلام أو اللَّه كلمة التوحيد . * ( كَلِمَةً باقِيَةً فِي عَقِبِه ) * في ذريته فيكون فيهم أبدا من يوحد اللَّه ويدعو إلى توحيده ، وقرئ « كلمة » و « في عقبه » على التخفيف و « في عاقبه »