عبد الله بن محمد الشيرازي الشافعي البيضاوي

76

أنوار التنزيل وأسرار التأويل ( تفسير البيضاوي )

( 42 ) سورة حم عسق مكية وهي ثلاث وخمسون آية وتسمي سورة « الشورى » بِسْمِ اللَّه الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ حم ( 1 ) عسق ( 2 ) كَذلِكَ يُوحِي إِلَيْكَ وإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ اللَّه الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ( 3 ) لَه ما فِي السَّماواتِ وما فِي الأَرْضِ وهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ ( 4 ) * ( حم ) * . * ( عسق ) * لعله اسمان للسورة ولذلك فصل بينهما وعدا آيتين ، وإن كانا اسما واحدا فالفصل ليطابق سائر الحواميم ، وقرئ « حم سق » . * ( كَذلِكَ يُوحِي إِلَيْكَ وإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ اللَّه الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ) * أي مثل ما في هذه السورة من المعاني ، أو إيحاء مثل إيحائها أوحى اللَّه إليك وإلى الرسل من قبلك ، وإنما ذكر بلفظ المضارع على حكاية الحال الماضية للدلالة على استمرار الوحي وأن إيحاء مثله عادته ، وقرأ ابن كثير * ( يُوحِي ) * بالفتح على أن كذلك مبتدأ و * ( يُوحِي ) * خبره المسند إلى ضميره ، أو مصدر و * ( يُوحِي ) * مسند إلى إليك ، و * ( اللَّه ) * مرتفع بما دل عليه * ( يُوحِي ) * ، و * ( الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ) * صفتان له مقررتان لعلو شأن الموحي به كما مر في السورة السابقة ، أو بالابتداء كما في قراءة « نوحي » بالنون و * ( الْعَزِيزُ ) * وما بعده أخبار أو * ( الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ) * صفتان . وقوله : * ( لَه ما فِي السَّماواتِ وما فِي الأَرْضِ وهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ ) * خبران له وعلى الوجوه الأخر استئناف مقرر لعزته وحكمته . تَكادُ السَّماواتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْ فَوْقِهِنَّ والْمَلائِكَةُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ ويَسْتَغْفِرُونَ لِمَنْ فِي الأَرْضِ أَلا إِنَّ اللَّه هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ ( 5 ) * ( تَكادُ السَّماواتُ ) * وقرأ نافع والكسائي بالياء . * ( يَتَفَطَّرْنَ ) * يتشققن من عظمة اللَّه ، وقيل من ادعاء الولد له . وقرأ البصريان وأبو بكر « ينفطرن » بالنون والأول أبلغ لأنه مطاوع فطر وهذا مطاوع فطر ، وقرئ « تتفطرن » بالتاء لتأكيد التأنيث وهو نادر . * ( مِنْ فَوْقِهِنَّ ) * أي يبتدئ الانفطار من جهتهن الفوقانية ، وتخصيصها على الأول لأن أعظم الآيات وأدلها على علو شأنه من تلك الجهة ، وعلى الثاني ليدل على الانفطار من تحتهن بالطريق الأولى . وقيل الضمير للأرض فإن المراد بها الجنس . * ( والْمَلائِكَةُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ ويَسْتَغْفِرُونَ لِمَنْ فِي الأَرْضِ ) * بالسعي فيما يستدعي مغفرتهم من الشفاعة والإلهام وإعداد الأسباب المقربة إلى الطاعة ، وذلك في الجملة يعم المؤمن والكافر بل لو فسر الاستغفار بالسعي فيما يدفع الخلل المتوقع عم الحيوان بل الجماد ، وحيث خص بالمؤمنين فالمراد به الشفاعة . * ( أَلا إِنَّ اللَّه هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ ) * إذ ما من مخلوق إلا وهو ذو حظ من رحمته ، والآية على الأول زيادة تقرير لعظمته وعلى الثاني دلالة على تقدسه عما نسب إليه ، وإن عدم معاجلتهم بالعقاب على تلك الكلمة الشنعاء باستغفار الملائكة وفرط غفران اللَّه ورحمته . والَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِه أَوْلِياءَ اللَّه حَفِيظٌ عَلَيْهِمْ وما أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِوَكِيلٍ ( 6 ) وكَذلِكَ أَوْحَيْنا إِلَيْكَ