عبد الله بن محمد الشيرازي الشافعي البيضاوي

7

أنوار التنزيل وأسرار التأويل ( تفسير البيضاوي )

العقلاء ويدل عليه إطلاقه ومجيئه بعد ذلك ، وقراءة من قرأ « أم من عددنا » ، وقوله : * ( إِنَّا خَلَقْناهُمْ مِنْ طِينٍ لازِبٍ ) * فإنه الفارق بينهم وبينها لا بينهم وبين من قبلهم كعاد وثمود ، وأن المراد إثبات المعاد ورد استحالته والأمر فيه بالإضافة إليهم وإلى من قبلهم سواء ، وتقريره أن استحالة ذلك إما لعدم قابلية المادة ومادتهم الأصلية هي الطين اللازب الحاصل من ضم الجزء المائي إلى الجزء الأرضي وهما باقيان قابلان للانضمام بعد ، وقد علموا أن الإنسان الأول إنما تولد منه إما لاعترافهم بحدوث العالم أو بقصة آدم وشاهدوا تولد كثير من الحيوانات منه بلا توسط مواقعة ، فلزمهم أن يجوزوا إعادتهم كذلك ، وإما لعدم قدرة الفاعل ومن قدر على خلق هذه الأشياء قدر على ما لا يعتد به بالإضافة إليها سيما ومن ذلك بدؤهم أولا وقدرته ذاتية لا تتغير . بَلْ عَجِبْتَ ويَسْخَرُونَ ( 12 ) وإِذا ذُكِّرُوا لا يَذْكُرُونَ ( 13 ) وإِذا رَأَوْا آيَةً يَسْتَسْخِرُونَ ( 14 ) * ( بَلْ عَجِبْتَ ) * من قدرة اللَّه تعالى وإنكارهم للبعث . * ( ويَسْخَرُونَ ) * من تعجبك وتقريرك للبعث ، وقرأ حمزة والكسائي بضم التاء أي بلغ كمال قدرتي وكثرة خلائقي أن تعجبت منها ، وهؤلاء لجهلهم يسخرون منها . أو عجبت من أن ينكر البعث ممن هذه أفعاله وهم يسخرون ممن يجوزه . والعجب من اللَّه تعالى إما على الفرض والتخييل أو على معنى الاستعظام اللازم له فإنه روعة تعتري الإنسان عند استعظامه الشيء ، وقيل إنه مقدر بالقول أي : قال يا محمد بل عجبت . * ( وَإِذا ذُكِّرُوا لا يَذْكُرُونَ ) * وإذا وعظوا بشيء لا يتعظون به ، أو إذا ذكر لهم ما يدل على صحة الحشر لا ينتفعون به لبلادتهم وقلة فكرهم . * ( وَإِذا رَأَوْا آيَةً ) * معجزة تدل على صدق القائل به . * ( يَسْتَسْخِرُونَ ) * يبالغون في السخرية ويقولون إنه سحر ، أو يستدعي بعضهم من بعض أن يسخر منها . وقالُوا إِنْ هذا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ ( 15 ) أَإِذا مِتْنا وكُنَّا تُراباً وعِظاماً أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ ( 16 ) أَوآباؤُنَا الأَوَّلُونَ ( 17 ) قُلْ نَعَمْ وأَنْتُمْ داخِرُونَ ( 18 ) * ( وَقالُوا إِنْ هذا ) * يعنون ما يرونه . * ( إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ ) * ظاهر سحريته . * ( أَإِذا مِتْنا وكُنَّا تُراباً وعِظاماً أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ ) * أصله انبعث إذا متنا فبدلوا الفعلية بالاسمية وقدموا الظرف وكرروا الهمزة مبالغة في الإنكار ، وإشعارا بأن البعث مستنكر في نفسه وفي هذه الحالة أشد استنكارا ، فهو أبلغ من قراءة ابن عامر بطرح الهمزة الأولى وقراءة نافع والكسائي ويعقوب بطرح الثانية . * ( أَوآباؤُنَا الأَوَّلُونَ ) * عطف على محل * ( إِنْ ) * واسمها ، أو على الضمير في « مبعوثون » فإنه مفصول منه بهمزة الاستفهام لزيادة الاستبعاد لبعد زمانهم ، وسكن نافع برواية قالون وابن عامر الواو على معنى الترديد . * ( قُلْ نَعَمْ وأَنْتُمْ داخِرُونَ ) * صاغرون ، وإنما اكتفى به في الجواب لسبق ما يدل على جوازه وقيام المعجز على صدق المخبر عن وقوعه ، وقرئ « قال » أي اللَّه أو الرسول وقرأ الكسائي وحده * ( نَعَمْ ) * بالكسر وهو لغة فيه . فَإِنَّما هِيَ زَجْرَةٌ واحِدَةٌ فَإِذا هُمْ يَنْظُرُونَ ( 19 ) وقالُوا يا وَيْلَنا هذا يَوْمُ الدِّينِ ( 20 ) هذا يَوْمُ الْفَصْلِ الَّذِي كُنْتُمْ بِه تُكَذِّبُونَ ( 21 ) * ( فَإِنَّما هِيَ زَجْرَةٌ واحِدَةٌ ) * جواب شرط مقدر أي إذا كان ذلك فإنما البعثة * ( زَجْرَةٌ ) * أي صيحة واحدة ،