عبد الله بن محمد الشيرازي الشافعي البيضاوي
59
أنوار التنزيل وأسرار التأويل ( تفسير البيضاوي )
يصح إلا عن إيقان . * ( وأَنَا أَدْعُوكُمْ إِلَى الْعَزِيزِ الْغَفَّارِ ) * المستجمع لصفات الألوهية من كمال القدرة والغلبة وما يتوقف عليه من العلم والإرادة ، والتمكن من المجازاة والقدرة على التعذيب والغفران . لا جَرَمَ أَنَّما تَدْعُونَنِي إِلَيْه لَيْسَ لَه دَعْوَةٌ فِي الدُّنْيا ولا فِي الآخِرَةِ وأَنَّ مَرَدَّنا إِلَى اللَّه وأَنَّ الْمُسْرِفِينَ هُمْ أَصْحابُ النَّارِ ( 43 ) فَسَتَذْكُرُونَ ما أَقُولُ لَكُمْ وأُفَوِّضُ أَمْرِي إِلَى اللَّه إِنَّ اللَّه بَصِيرٌ بِالْعِبادِ ( 44 ) * ( لا جَرَمَ ) * لا رد لما دعوه إليه ، و * ( جَرَمَ ) * فعل بمعنى حق وفاعله : * ( أَنَّما تَدْعُونَنِي إِلَيْه لَيْسَ لَه دَعْوَةٌ فِي الدُّنْيا ولا فِي الآخِرَةِ ) * أي حق عدم دعوة آلهتكم إلى عبادتها أصلا لأنها جمادات ليس لها ما يقتضي ألوهيتها أو عدم دعوة مستجابة أو عدم استجابة دعوة لها . وقيل * ( جَرَمَ ) * بمعنى كسب وفاعله مستكن فيه أي كسب ذلك الدعاء إليه أن لا دعوة له بمعنى ما حصل من ذلك إلا ظهور بطلان دعوته ، وقيل فعل من الجرم بمعنى القطع كما أن بدا من لا بد فعل من التبديد وهو التفريق ، والمعنى لا قطع لبطلان دعوة ألوهية الأصنام أي لا ينقطع في وقت ما فتنقلب حقا ، ويؤيده قولهم لا جرم أنه يفعل لغة فيه كالرشد والرشد . * ( وأَنَّ مَرَدَّنا إِلَى اللَّه ) * بالموت . * ( وأَنَّ الْمُسْرِفِينَ ) * في الضلالة والطغيان كالإشراك وسفك الدماء . * ( هُمْ أَصْحابُ النَّارِ ) * ملازموها . * ( فَسَتَذْكُرُونَ ) * وقرئ « فستذكرون » أي فسيذكر بعضكم بعضا عند معاينة العذاب . * ( ما أَقُولُ لَكُمْ ) * من النصيحة . * ( وأُفَوِّضُ أَمْرِي إِلَى اللَّه ) * ليعصمني من كل سوء . * ( إِنَّ اللَّه بَصِيرٌ بِالْعِبادِ ) * فيحرسهم وكأنه جواب توعدهم المفهوم من قوله : فَوَقاه اللَّه سَيِّئاتِ ما مَكَرُوا وحاقَ بِآلِ فِرْعَوْنَ سُوءُ الْعَذابِ ( 45 ) النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْها غُدُوًّا وعَشِيًّا ويَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذابِ ( 46 ) * ( فَوَقاه اللَّه سَيِّئاتِ ما مَكَرُوا ) * شدائد مكرهم . وقيل الضمير لموسى عليه الصلاة والسلام . * ( وحاقَ بِآلِ فِرْعَوْنَ ) * بفرعون وقومه فاستغنى بذكرهم عن ذكره للعلم بأنه أولى بذلك . وقيل بطلبة المؤمن من قومه فإنه فر إلى جبل فاتبعه طائفة فوجدوه يصلي والوحوش حوله صفوفا فرجعوا رعبا فقتلهم . * ( سُوءُ الْعَذابِ ) * الغرق أو القتل أو النار . * ( النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْها غُدُوًّا وعَشِيًّا ) * جملة مستأنفة أو * ( النَّارُ ) * خبر محذوف و * ( يُعْرَضُونَ ) * استئناف للبيان ، أو بدل و * ( يُعْرَضُونَ ) * حال منها ، أو من الآل وقرئت منصوبة على الاختصاص أو بإضمار فعل يفسره * ( يُعْرَضُونَ ) * مثل يصلون ، فإن عرضهم على النار إحراقهم بها من قولهم : عرض الأسارى على السيف إذا قتلوا به ، وذلك لأرواحهم كما روى ابن مسعود أن أرواحهم في أجواف طيور سود تعرض على النار بكرة وعشيا إلى يوم القيامة ، وذكر الوقتين تحتمل التخصيص والتأبيد ، وفيه دليل على بقاء النفس وعذاب القبر . * ( وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ ) * أي هذا ما دامت الدنيا فإذا قامت الساعة قيل لهم : * ( أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ ) * يا آل فرعون . * ( أَشَدَّ الْعَذابِ ) * عذاب جهنم فإنه أشد مما كانوا فيه ، أو أشد عذاب جهنم . وقرأ حمزة والكسائي ونافع ويعقوب وحفص * ( أَدْخِلُوا ) * على أمر الملائكة بإدخالهم النار . وإِذْ يَتَحاجُّونَ فِي النَّارِ فَيَقُولُ الضُّعَفاءُ لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إِنَّا كُنَّا لَكُمْ تَبَعاً فَهَلْ أَنْتُمْ مُغْنُونَ