عبد الله بن محمد الشيرازي الشافعي البيضاوي
39
أنوار التنزيل وأسرار التأويل ( تفسير البيضاوي )
* ( قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللَّه مُخْلِصاً لَه الدِّينَ ) * موحدا له . * ( وَأُمِرْتُ لأَنْ أَكُونَ أَوَّلَ الْمُسْلِمِينَ ) * وأمرت بذلك لأجل أن أكون مقدمهم في الدنيا والآخرة ، لأن قصب السبق في الدين بالإخلاص أو لأنه أول من أسلم وجهه للَّه من قريش ومن دان بدينهم ، والعطف لمغايرة الثاني الأول بتقييده بالعلة ، والإشعار بأن العبادة المقرونة بالإخلاص وإن اقتضت لذاتها أن يؤمر بها فهي أيضا تقتضيه لما يلزمها من السبق في الدين ، ويجوز أن تجعل اللام مزيدة كما في أردت لأن أفعل فيكون أمر بالتقدم في الإخلاص والبدء بنفسه في الدعاء إليه بعد الأمر به . * ( قُلْ إِنِّي أَخافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي ) * بترك الإخلاص والميل إلى ما أنتم عليه من الشرك والرياء . * ( عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ ) * لعظمة ما فيه . قُلِ اللَّه أَعْبُدُ مُخْلِصاً لَه دِينِي ( 14 ) فَاعْبُدُوا ما شِئْتُمْ مِنْ دُونِه قُلْ إِنَّ الْخاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وأَهْلِيهِمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ أَلا ذلِكَ هُوَ الْخُسْرانُ الْمُبِينُ ( 15 ) لَهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ ظُلَلٌ مِنَ النَّارِ ومِنْ تَحْتِهِمْ ظُلَلٌ ذلِكَ يُخَوِّفُ اللَّه بِه عِبادَه يا عِبادِ فَاتَّقُونِ ( 16 ) * ( قُلِ اللَّه أَعْبُدُ مُخْلِصاً لَه دِينِي ) * أمر بالإخبار عن إخلاصه وأن يكون مخلصا له دينه بعد الأمر بالإخبار عن كونه مأمورا بالعبادة والإخلاص خائفا عن المخالفة من العقاب قطعا لأطماعهم ، ولذلك رتب عليه قوله : * ( فَاعْبُدُوا ما شِئْتُمْ مِنْ دُونِه ) * تهديدا وخذلانا لهم . * ( قُلْ إِنَّ الْخاسِرِينَ ) * الكاملين في الخسران . * ( الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ ) * بالضلال . * ( وأَهْلِيهِمْ ) * بالإضلال . * ( يَوْمَ الْقِيامَةِ ) * حين يدخلون النار بدل الجنة لأنهم جمعوا وجوه الخسران . وقيل وخسروا أهليهم لأنهم إن كانوا من أهل النار فقد خسروهم كما خسروا أنفسهم ، وإن كانوا من أهل الجنة فقد ذهبوا عنهم ذهابا لا رجوع بعده . * ( أَلا ذلِكَ هُوَ الْخُسْرانُ الْمُبِينُ ) * مبالغة في خسرانهم لما فيه من الاستئناف والتصدير ب * ( أَلا ) * ، وتوسيط الفصل وتعريف الخسران ووصفه ب * ( الْمُبِينُ ) * . * ( لَهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ ظُلَلٌ مِنَ النَّارِ ) * شرح لخسرانهم . * ( ومِنْ تَحْتِهِمْ ظُلَلٌ ) * أطباق من النار هي ظلل للآخرين . * ( ذلِكَ يُخَوِّفُ اللَّه بِه عِبادَه ) * ذلك العذاب هو الذي يخوفهم به ليجتنبوا ما يوقعهم فيه . * ( يا عِبادِ فَاتَّقُونِ ) * ولا تتعرضوا لما يوجب سخطي . والَّذِينَ اجْتَنَبُوا الطَّاغُوتَ أَنْ يَعْبُدُوها وأَنابُوا إِلَى اللَّه لَهُمُ الْبُشْرى فَبَشِّرْ عِبادِ ( 17 ) الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَه أُولئِكَ الَّذِينَ هَداهُمُ اللَّه وأُولئِكَ هُمْ أُولُوا الأَلْبابِ ( 18 ) * ( وَالَّذِينَ اجْتَنَبُوا الطَّاغُوتَ ) * البالغ غاية الطغيان فعلوت منه بتقديم اللام على العين بني للمبالغة في المصدر كالرحموت ، ثم وصف به للمبالغة في النعت ولذلك اختص بالشيطان . * ( أَنْ يَعْبُدُوها ) * بدل اشتمال منه . * ( وأَنابُوا إِلَى اللَّه ) * وأقبلوا إليه بشراشرهم عما سواه . * ( لَهُمُ الْبُشْرى ) * بالثواب على ألسنة الرسل ، أو الملائكة عند حضور الموت . * ( فَبَشِّرْ عِبادِ ) * . * ( الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَه ) * وضع فيه الظاهر موضع ضمير * ( الَّذِينَ اجْتَنَبُوا ) * للدلالة على مبدأ اجتنابهم وأنهم نقاد في الدين يميزون بين الحق والباطل ويؤثرون الأفضل فالأفضل . * ( أُولئِكَ الَّذِينَ هَداهُمُ اللَّه ) * لدينه . * ( وأُولئِكَ هُمْ أُولُوا الأَلْبابِ ) * العقول السليمة عن منازعة الوهم والعادة ، وفي ذلك دلالة على أن الهداية تحصل بفعل اللَّه وقبول النفس لها . أَفَمَنْ حَقَّ عَلَيْه كَلِمَةُ الْعَذابِ أَفَأَنْتَ تُنْقِذُ مَنْ فِي النَّارِ ( 19 ) لكِنِ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ لَهُمْ غُرَفٌ مِنْ فَوْقِها