عبد الله بن محمد الشيرازي الشافعي البيضاوي

319

أنوار التنزيل وأسرار التأويل ( تفسير البيضاوي )

( 93 ) سورة والضحى مكية ، وآيها إحدى عشرة آية بِسْمِ اللَّه الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ والضُّحى ( 1 ) واللَّيْلِ إِذا سَجى ( 2 ) ما وَدَّعَكَ رَبُّكَ وما قَلى ( 3 ) * ( وَالضُّحى ) * ووقت ارتفاع الشمس وتخصيصه لأن النهار يقوى فيه ، أو لأن فيه كلم موسى ربه وألقي السحرة سجدا ، أو النهار ويؤيده قوله : * ( أَنْ يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنا ضُحًى ) * في مقابلة * ( بَياتاً ) * . * ( وَاللَّيْلِ إِذا سَجى ) * سكن أهله أو ركد ظلامه من سجا البحر سجوا إذا سكنت أمواجه ، وتقديم * ( اللَّيْلِ ) * في السورة المتقدمة باعتبار الأصل ، وتقديم النهار ها هنا باعتبار الشرف . * ( ما وَدَّعَكَ رَبُّكَ ) * ما قطعك قطع المودع ، وقرئ بالتخفيف بمعنى ما تركك وهو جواب القسم . * ( وما قَلى ) * وما أبغضك ، وحذف المفعول استغناء بذكره من قبل ومراعاة للفواصل . روي أن الوحي تأخر عنه أياما لتركه الاستثناء كما مر في سورة « الكهف » ، أو لزجره سائلا ملحا ، أو لأن جروا ميتا كان تحت سريره أو لغيره فقال المشركون : إن محمدا ودعه ربه وقلاه فنزلت ردا عليهم . ولَلآخِرَةُ خَيْرٌ لَكَ مِنَ الأُولى ( 4 ) ولَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضى ( 5 ) * ( وَلَلآخِرَةُ خَيْرٌ لَكَ مِنَ الأُولى ) * فإنها باقية خالصة عن الشوائب وهذه فانية مشوبة بالمضار ، كأنه لما بين أنه سبحانه وتعالى لا يزال يواصله بالوحي والكرامة في الدنيا وعد له ما هو أعلى وأجل من ذلك في الآخرة ، أو لنهاية أمرك خير من بدايته ، فإنه صلَّى اللَّه عليه وسلم لا يزال يتصاعد في الرفعة والكمال . * ( وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضى ) * وعد شامل لما أعطاه من كمال النفس وظهور الأمر وإعلاء الدين ، ولما ادخر له مما لا يعرف كنهه سواه ، واللام للابتلاء دخل الخبر بعد حذف المبتدأ والتقدير : ولأنت سوف يعطيك لا للقسم فإنها لا تدخل على المضارع إلا مع النون المؤكدة ، وجمعها مع سوف للدلالة على أن الإعطاء كائن لا محالة وإن تأخر لحكمة . أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيماً فَآوى ( 6 ) ووَجَدَكَ ضَالاًّ فَهَدى ( 7 ) ووَجَدَكَ عائِلاً فَأَغْنى ( 8 ) * ( أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيماً فَآوى ) * تعديد لما أنعم عليه تنبيها على أنه كما أحسن إليه فيما مضى يحسن إليه فيما يستقبل وإن تأخر . و * ( يَجِدْكَ ) * من الوجود بمعنى العلم و * ( يَتِيماً ) * مفعوله الثاني أو المصادفة و * ( يَتِيماً ) * حال . * ( وَوَجَدَكَ ضَالًّا ) * عن علم الحكم والأحكام . * ( فَهَدى ) * فعلمك بالوحي والإلهام والتوفيق للنظر . وقيل وجدك ضالا في الطريق حين خرج بك أبو طالب إلى الشام أو حين فطمتك حليمة وجاءت بك لتردك إلى جدك ، فأزال ضلالك عن عمك أو جدك . * ( وَوَجَدَكَ عائِلاً ) * فقيرا ذا عيال . * ( فَأَغْنى ) * بما حصل لك من ربح التجارة .