عبد الله بن محمد الشيرازي الشافعي البيضاوي
311
أنوار التنزيل وأسرار التأويل ( تفسير البيضاوي )
تهالكهم بالمال وهو أنهم لا يكرمون اليتيم بالنفقة والمبرة ، ولا يحثون أهلهم على طعام المسكين فضلا عن غيرهم ، وقرأ الكوفيون « ولا تَحَاضُّونَ » . * ( وَتَأْكُلُونَ التُّراثَ ) * الميراث وأصله وراث . * ( أَكْلاً لَمًّا ) * ذا لم أي جمع بين الحلال والحرام فإنهم كانوا لا يورثون النساء والصبيان ويأكلون أنصباءهم ، أو يأكلون ما جمعه المورث من حلال وحرام عالمين بذلك . * ( وَتُحِبُّونَ الْمالَ حُبًّا جَمًّا ) * كثيرا مع حرص وشره ، وقرأ أبو عمرو وسهل ويعقوب « لا يكرمون » إلى « ويحبون » بالياء والباقون بالتاء . كَلَّا إِذا دُكَّتِ الأَرْضُ دَكًّا دَكًّا ( 21 ) وجاءَ رَبُّكَ والْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا ( 22 ) وجِيءَ يَوْمَئِذٍ بِجَهَنَّمَ يَوْمَئِذٍ يَتَذَكَّرُ الإِنْسانُ وأَنَّى لَه الذِّكْرى ( 23 ) * ( كَلَّا ) * ردع لهم عن ذلك وإنكار لفعلهم وما بعده وعيد عليه . * ( إِذا دُكَّتِ الأَرْضُ دَكًّا دَكًّا ) * أي دكا بعد دك حتى صارت منخفضة الجبال والتلال ، أو * ( هَباءً مُنْبَثًّا ) * . * ( وَجاءَ رَبُّكَ ) * أي ظهرت آيات قدرته وآثار قهره مثل ذلك بما يظهر عند حضور السلطان من آثار هيبته وسياسته . * ( والْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا ) * بحسب منازلهم ومراتبهم . * ( وَجِيءَ يَوْمَئِذٍ بِجَهَنَّمَ ) * كقوله تعالى : * ( وبُرِّزَتِ الْجَحِيمُ ) * وفي الحديث « يؤتى بجهنم يومئذ لها سبعون ألف زمام مع كل زمام سبعون ألف ملك يجرونها » . * ( يَوْمَئِذٍ ) * بدل من إذا دكت الأرض والعامل فيهما . * ( يَتَذَكَّرُ الإِنْسانُ ) * أي يتذكر معاصيه أو يتعظ لأنه يعلم قبحها فيندم عليها . * ( وأَنَّى لَه الذِّكْرى ) * أي منفعة الذكرى لئلا يناقض ما قبله ، واستدل به على عدم وجوب قبول التوبة ، فإن هذا التذكر توبة غير مقبولة . يَقُولُ يا لَيْتَنِي قَدَّمْتُ لِحَياتِي ( 24 ) فَيَوْمَئِذٍ لا يُعَذِّبُ عَذابَه أَحَدٌ ( 25 ) ولا يُوثِقُ وَثاقَه أَحَدٌ ( 26 ) * ( يَقُولُ يا لَيْتَنِي قَدَّمْتُ لِحَياتِي ) * أي لحياتي هذه ، أو وقت حياتي في الدنيا أعمالا صالحة ، وليس في هذا التمني دلالة على استقلال العبد بفعله فإن المحجور عن شيء قد يتمنى أن كان ممكنا منه . * ( فَيَوْمَئِذٍ لا يُعَذِّبُ عَذابَه أَحَدٌ ) * * ( ولا يُوثِقُ وَثاقَه أَحَدٌ ) * الهاء للَّه أي لا يتولى عذاب اللَّه ووثاقة يوم القيامة سواه إذ الأمر كله له ، أو للإنسان أي لا يعذب أحد من الزبانية مثل ما يعذبونه ، وقرأهما الكسائي ويعقوب على بناء المفعول . يا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ ( 27 ) ارْجِعِي إِلى رَبِّكِ راضِيَةً مَرْضِيَّةً ( 28 ) فَادْخُلِي فِي عِبادِي ( 29 ) وادْخُلِي جَنَّتِي ( 30 ) * ( يا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ ) * على إرادة القول وهي التي اطمأنت بذكر اللَّه ، فإن النفس تترقى في سلسلة الأسباب والمسببات إلى الواجب لذاته فتستفز دون معرفته وتستغني به عن غيره ، أو إلى الحق بحيث لا يريبها شك أو الآمنة التي لا يستفزها خوف ولا حزن ، وقد قرئ بهما . * ( ارْجِعِي إِلى رَبِّكِ ) * إلى أمره أو موعده بالموت ، ويشعر ذلك بقول من قال : كانت النفوس قبل الأبدان موجودة في عالم القدس أو البعث ، * ( راضِيَةً ) * بما أوتيت . * ( مَرْضِيَّةً ) * عند اللَّه تعالى . * ( فَادْخُلِي فِي عِبادِي ) * في جملة عبادي الصالحين . * ( وَادْخُلِي جَنَّتِي ) * معهم أو في زمرة المقربين فتستضيء بنورهم ، فإن الجواهر القدسية كالمرايا المتقابلة ، أو ادخلي في أجساد عبادي التي فارقت عنها ، وادخلي دار ثوابي التي أعدت لك .