عبد الله بن محمد الشيرازي الشافعي البيضاوي

303

أنوار التنزيل وأسرار التأويل ( تفسير البيضاوي )

( 86 ) سورة الطارق مكية وآيها سبع عشرة آية بِسْمِ اللَّه الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ والسَّماءِ والطَّارِقِ ( 1 ) وما أَدْراكَ مَا الطَّارِقُ ( 2 ) النَّجْمُ الثَّاقِبُ ( 3 ) إِنْ كُلُّ نَفْسٍ لَمَّا عَلَيْها حافِظٌ ( 4 ) * ( وَالسَّماءِ والطَّارِقِ ) * والكوكب البادي بالليل وهو في الأصل لسالك الطريق ، واختص عرفا بالآتي ليلا ثم استعمل للبادي فيه . * ( وَما أَدْراكَ مَا الطَّارِقُ ) * * ( النَّجْمُ الثَّاقِبُ ) * المضيء كأنه يثقب الظلام بضوئه فينفذ فيه ، أو الأفلاك والمراد الجنس أو معهود بالثقب وهو زحل ، عبر عنه أولا بوصف عام ثم فسره بما يخصه تفخيما لشأنه . * ( إِنْ كُلُّ نَفْسٍ لَمَّا عَلَيْها ) * أي إن الشأن كل نفس لعليها . * ( حافِظٌ ) * رقيب فإن هي المخففة واللام الفاصلة وما مزيدة . وقرأ ابن عامر وعاصم وحمزة لما على أنها بمعنى إلَّا وإن نافية ، والجملة على الوجهين جواب القسم . فَلْيَنْظُرِ الإِنْسانُ مِمَّ خُلِقَ ( 5 ) خُلِقَ مِنْ ماءٍ دافِقٍ ( 6 ) يَخْرُجُ مِنْ بَيْنِ الصُّلْبِ والتَّرائِبِ ( 7 ) * ( فَلْيَنْظُرِ الإِنْسانُ مِمَّ خُلِقَ ) * لما ذكر أن كل نفس عليها حافظ أتبعه توصية الإنسان بالنظر في مبدئه ليعلم صحة إعادته فلا يملي على حافظه إلا ما يسره في عاقبته . * ( خُلِقَ مِنْ ماءٍ دافِقٍ ) * جواب الاستفهام و * ( ماءٍ ) * بمعنى ذي دفق ، وهو صب فيه دفع والمراد الممتزج من الماءين في الرحم لقوله : * ( يَخْرُجُ مِنْ بَيْنِ الصُّلْبِ والتَّرائِبِ ) * من بين صلب الرجل وترائب المرأة وهي عظام صدرها ، ولو صح أن النطفة تتولد من فضل الهضم الرابع وتنفصل عن جميع الأعضاء حتى تستعد لأن يتولد منها مثل تلك الأعضاء ، ومقرها عروق ملتف بعضها بالبعض عند البيضتين ، فلا شك أن الدماغ أعظم الأعضاء معونة في توليدها ، ولذلك تشبهه ، ويسرع الإفراط في الجماع بالضعف فيه وله خليفة وهو النخاع وهو في الصلب وشعب كثيرة نازلة إلى الترائب ، وهما أقرب إلى أوعية المني فلذلك خصّا بالذكر . وقرئ « الصلب » بفتحتين و « الصلب » بضمتين وفيه لغة رابعة وهي « صالب » . إِنَّه عَلى رَجْعِه لَقادِرٌ ( 8 ) يَوْمَ تُبْلَى السَّرائِرُ ( 9 ) فَما لَه مِنْ قُوَّةٍ ولا ناصِرٍ ( 10 ) * ( إِنَّه عَلى رَجْعِه لَقادِرٌ ) * والضمير للخالق ويدل عليه * ( خُلِقَ ) * . * ( يَوْمَ تُبْلَى السَّرائِرُ ) * تتعرف ويميز بين ما طاب من الضمائر وما خفي من الأعمال وما خبث منها ، وهو ظرف ل * ( رَجْعِه ) * . * ( فَما لَه ) * فما للإنسان . * ( مِنْ قُوَّةٍ ) * من منعة في نفسه يمتنع بها . * ( ولا ناصِرٍ ) * يمنعه .