عبد الله بن محمد الشيرازي الشافعي البيضاوي

259

أنوار التنزيل وأسرار التأويل ( تفسير البيضاوي )

( 74 ) سورة المدثر مكية ، وآيها خمس وخمسون آية بِسْمِ اللَّه الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ يا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ ( 1 ) قُمْ فَأَنْذِرْ ( 2 ) * ( يا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ ) * أي المتدثر وهو لابس الدثار . روي أنه عليه الصلاة والسلام قال « كنت بحراء فنوديت فنظرت عن يميني وشمالي فلم أر شيئا ، فنظرت فوقي فإذا هو على عرش بين السماء والأرض - يعني الملك الذي ناداه - فرعبت فرجعت إلى خديجة فقلت : دثروني ، فنزل جبريل وقال : * ( يا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ ) * ولذلك قيل هي أول سورة نزلت . وقيل تأذى من قريش فتغطي بثوبه مفكرا ، أو كان نائما متدثرا فنزلت ، وقيل المراد بالمدثر المتدثر بالنبوة والكمالات النفسانية ، أو المختفي فإنه كان بحراء كالمختفي فيه على سبيل الاستعارة ، وقرئ « المدثر » أي الذي دثر هذا الأمر وعصب به . * ( قُمْ ) * من مضجعك أو قم قيام عزم وجد . * ( فَأَنْذِرْ ) * مطلق للتعميم أو مقدر بمفعول دل عليه قوله : * ( وأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الأَقْرَبِينَ ) * أو قوله : * ( وما أَرْسَلْناكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ بَشِيراً ونَذِيراً ) * . ورَبَّكَ فَكَبِّرْ ( 3 ) وثِيابَكَ فَطَهِّرْ ( 4 ) * ( وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ ) * وخصص ربك بالتكبير وهو وصفه بالكبرياء عقدا وقولا ، روي أنه لما نزل كبر رسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وسلم وأيقن أنه الوحي ، وذلك لأن الشيطان لا يأمر بذلك والفاء فيه وفيما بعده لإفادة معنى الشرط وكأنه قال : وما يكن فكبر ربك ، أو الدلالة على أن المقصود الأول من الأمر بالقيام أن يكبر ربه عن الشرك والتشبيه ، فإن أول ما يجب معرفة الصانع وأول ما يجب بعد العلم بوجوده تنزيهه ، والقوم كانوا مقرين به . * ( وَثِيابَكَ فَطَهِّرْ ) * من النجاسات فإن التطهير واجب في الصلوات محبوب في غيرها ، وذلك بغسلها أو بحفظها عن النجاسة بتقصيرها مخافة جر الذيول فيها ، وهو أول ما أمر به من رفض العادات المذمومة ، أو طهر نفسك من الأخلاق الذميمة والأفعال الدنيئة ، فيكون أمرا باستكمال القوة العملية بعد أمره باستكمال القوّة النظرية والدعاء إليه ، أو فطهر دثار النبوة عما يدنسه من الحقد والضجر وقلة الصبر . والرُّجْزَ فَاهْجُرْ ( 5 ) ولا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ ( 6 ) ولِرَبِّكَ فَاصْبِرْ ( 7 ) * ( وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ ) * فاهجر العذاب بالثبات على هجر ما يؤدي إليه من الشرك وغيره من القبائح ، وقرأ يعقوب وحفص * ( والرُّجْزَ ) * بالضم وهو لغة كالذكر . * ( وَلا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ ) * أي لا تعط مستكثرا ، نهى عن الاستفزار وهو أن يهب شيئا طامعا في عوض أكثر ، نهي تنزيه أو نهيا خاصا به لقوله عليه الصلاة والسلام « المستفزر يثاب من هبته » والموجب له ما فيه من الحرص والضنة ، أو * ( لا تَمْنُنْ ) * على اللَّه تعالى بعبادتك مستكثرا إياها ، أو على الناس بالتبليغ مستكثرا به الأجر منهم أو مستكثرا إياه ، وقرئ « تستكثر » بالسكون للوقف أو الإبدال من تمنن على أنه من من بكذا ، أو