عبد الله بن محمد الشيرازي الشافعي البيضاوي

25

أنوار التنزيل وأسرار التأويل ( تفسير البيضاوي )

التقليد وإعراضهم عن الدليل ، وليس في عقيدتهم ما يبتون به من قولهم هذا * ( ساحِرٌ كَذَّابٌ ) * * ( إِنْ هذا إِلَّا اخْتِلاقٌ ) * . * ( بَلْ لَمَّا يَذُوقُوا عَذابِ ) * بل لم يذوقوا عذابي بعد فإذا ذاقوه زال شكهم ، والمعنى أنهم لا يصدقون به حتى يمسهم العذاب فيلجئهم إلى تصديقه . * ( أَمْ عِنْدَهُمْ خَزائِنُ رَحْمَةِ رَبِّكَ الْعَزِيزِ الْوَهَّابِ ) * بل أعندهم خزائن رحمته وفي تصرفهم حتى يصيبوا بها من شاؤوا ويصرفوها عمن شاؤوا فيتخير للنبوة بعض صناديدهم ، والمعنى أن النبوة عطية من اللَّه يتفضل بها على من يشاء من عباده لا مانع له فإنه العزيز أي الغالب الذي لا يغلب ، الوهاب الذي له أن يهب كل ما يشاء لمن يشاء ، ثم رشح ذلك فقال : أَمْ لَهُمْ مُلْكُ السَّماواتِ والأَرْضِ وما بَيْنَهُما فَلْيَرْتَقُوا فِي الأَسْبابِ ( 10 ) جُنْدٌ ما هُنالِكَ مَهْزُومٌ مِنَ الأَحْزابِ ( 11 ) * ( أَمْ لَهُمْ مُلْكُ السَّماواتِ والأَرْضِ وما بَيْنَهُما ) * كأنه لما أنكر عليهم التصرف في نبوته بأن ليس عندهم خزائن رحمته التي لا نهاية لها ، أردف ذلك بأنه ليس لهم مدخل في أمر هذا العالم الجسماني الذي هو جزء يسير من خزائنه فمن أين لهم أن يتصرفوا فيها . * ( فَلْيَرْتَقُوا فِي الأَسْبابِ ) * جواب شرط محذوف أي إن كان لهم ذلك فليصعدوا في المعارج التي يتوصل بها إلى العرش حتى يستووا عليه ويدبروا أمر العالم ، فينزلوا الوحي إلى من يستصوبون . وهو غاية التهكم بهم ، والسبب في الأصل هو الوصلة ، وقيل المراد بالأسباب السماوات لأنها أسباب الحوادث السفلية . * ( جُنْدٌ ما هُنالِكَ مَهْزُومٌ مِنَ الأَحْزابِ ) * أي هم جند ما من الكفار المتحزبين على الرسل * ( مَهْزُومٌ ) * مكسور عما قريب فمن أين لهم التدابير الإلهية والتصرف في الأمور الربانية ، أو فلا تكترث بما يقولون و * ( ما ) * مزيدة للتقليل كقولك أكلت شيئا ما ، وقيل للتعظيم على الهزء وهو لا يلائم ما بعده ، وهنالك إشارة إلى حيث وضعوا فيه أنفسهم من الانتداب لمثل هذا القول . كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وعادٌ وفِرْعَوْنُ ذُو الأَوْتادِ ( 12 ) وثَمُودُ وقَوْمُ لُوطٍ وأَصْحابُ الأَيْكَةِ أُولئِكَ الأَحْزابُ ( 13 ) إِنْ كُلٌّ إِلَّا كَذَّبَ الرُّسُلَ فَحَقَّ عِقابِ ( 14 ) * ( كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وعادٌ وفِرْعَوْنُ ذُو الأَوْتادِ ) * ذو الملك الثابت بالأوتاد كقوله : ولقد غنوا فيها بأنعم عيشة * في ظلّ ملك ثابت الأوتاد مأخوذ من ثبات البيت المطنب بأوتاده ، أو ذو الجموع الكثيرة سموا بذلك لأن بعضهم يشد بعضا كالوتد يشد البناء . وقيل نصب أربع سوار وكان يمد يدي المعذب ورجليه إليها ويضرب عليها أوتادا ويتركه حتى يموت . * ( وَثَمُودُ وقَوْمُ لُوطٍ وأَصْحابُ الأَيْكَةِ ) * وأصحاب الغيضة وهم قوم شعيب ، وقرأ ابن كثير ونافع وابن عامر « ليكة » . * ( أُولئِكَ الأَحْزابُ ) * يعني المتحزبين على الرسل الذين جعل الجند المهزوم منهم . * ( إِنْ كُلٌّ إِلَّا كَذَّبَ الرُّسُلَ ) * بيان لما أسند إليهم من التكذيب على الإبهام مشتمل على أنواع من التأكيد ليكون تسجيلا على استحقاقهم للعذاب ، ولذلك رتب عليه : * ( فَحَقَّ عِقابِ ) * وهو إما مقابلة الجمع بالجمع أو جعل تكذيب الواحد منهم تكذيب جميعهم .