عبد الله بن محمد الشيرازي الشافعي البيضاوي

195

أنوار التنزيل وأسرار التأويل ( تفسير البيضاوي )

فَانْشُزُوا يَرْفَعِ اللَّه الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ والَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجاتٍ واللَّه بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ ( 11 ) * ( يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا قِيلَ لَكُمْ تَفَسَّحُوا فِي الْمَجالِسِ ) * توسعوا فيه وليفسح بعضكم عن بعض من قولهم : افسح عني أي تنح ، وقرئ « تفاسحوا » والمراد بالمجلس الجنس ويدل عليه قراءة عاصم بالجمع ، أو مجلس رسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وسلم فإنهم كانوا يتضامون به تنافسا على القرب منه وحرصا على استماع كلامه . * ( فَافْسَحُوا يَفْسَحِ اللَّه لَكُمْ ) * فيما تريدون التفسح فيه من المكان والرزق والصدر وغيرها . * ( وإِذا قِيلَ انْشُزُوا ) * انهضوا للتوسعة أو لما أمرتم به كصلاة أو جهاد ، أو ارتفعوا عن المجلس . * ( فَانْشُزُوا ) * وقرأ نافع وابن عامر وعاصم بضم الشين فيهما . * ( يَرْفَعِ اللَّه الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ ) * بالنصر وحسن الذكر في الدنيا ، وإيوائهم غرف الجنان في الآخرة . * ( والَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجاتٍ ) * ويرفع العلماء منهم خاصة درجات بما جمعوا من العلم والعمل ، فإن العلم مع علو درجته يقتضي العمل المقرون به مزيد رفعة ، ولذلك يقتدى بالعالم في أفعاله ولا يقتدى بغيره . وفي الحديث « فضل العالم على العابد كفضل القمر ليلة البدر على سائر الكواكب » . * ( وَاللَّه بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ ) * تهديد لمن لم يتمثل الأمر أو استكرهه . يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا ناجَيْتُمُ الرَّسُولَ فَقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْواكُمْ صَدَقَةً ذلِكَ خَيْرٌ لَكُمْ وأَطْهَرُ فَإِنْ لَمْ تَجِدُوا فَإِنَّ اللَّه غَفُورٌ رَحِيمٌ ( 12 ) أَأَشْفَقْتُمْ أَنْ تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْواكُمْ صَدَقاتٍ فَإِذْ لَمْ تَفْعَلُوا وتابَ اللَّه عَلَيْكُمْ فَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وآتُوا الزَّكاةَ وأَطِيعُوا اللَّه ورَسُولَه واللَّه خَبِيرٌ بِما تَعْمَلُونَ ( 13 ) * ( يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا ناجَيْتُمُ الرَّسُولَ فَقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْواكُمْ صَدَقَةً ) * فتصدقوا قدامها مستعار ممن له يدان ، وفي هذا الأمر تعظيم الرسول وإنفاع الفقراء والنهي عن الإفراط في السؤال ، والميز بين المخلص والمنافق ومحب الآخرة ومحب الدنيا ، واختلف في أنه للندب أو للوجوب لكنه منسوخ بقوله : * ( أَأَشْفَقْتُمْ ) * وهو وإن اتصل به تلاوة لم يتصل به نزولا . وعن علي كرم اللَّه وجهه إن في كتاب اللَّه آية ما عمل بها أحد غيري ، كان لي دينار فصرفته فكنت إذا ناجيته تصدقت بدرهم . وهو على القول بالوجوب لا يقدح في غيره فلعله لم يتفق للأغنياء مناجاة في مدة بقائه ، إذ روي أنه لم يبق إلا عشرا وقيل إلا ساعة . * ( ذلِكَ ) * أي ذلك التصدق . * ( خَيْرٌ لَكُمْ وأَطْهَرُ ) * أي لأنفسكم من الريبة وحب المال وهو يشعر بالندبية لكن قوله : * ( فَإِنْ لَمْ تَجِدُوا فَإِنَّ اللَّه غَفُورٌ رَحِيمٌ ) * أي لمن لم يجده حيث رخص له في المناجاة بلا تصدق أدل على الوجوب . * ( أَأَشْفَقْتُمْ أَنْ تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْواكُمْ صَدَقاتٍ ) * أخفتم الفقر من تقديم الصدقة أو أخفتم التقديم لما يعدكم الشيطان عليه من الفقر وجمع * ( صَدَقاتٍ ) * لجمع المخاطبين ، أو لكثرة التناجي . * ( فَإِذْ لَمْ تَفْعَلُوا وتابَ اللَّه عَلَيْكُمْ ) * بأن رخص لكم أن لا تفعلوه ، وفيه إشعار بأن إشفاقهم ذنب تجاوز اللَّه عنه لما رأى منهم مما قام مقام توبتهم وإذ على بابها وقيل بمعنى إذا أو إن . * ( فَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وآتُوا الزَّكاةَ ) * . فلا تفرطوا في أدائهما . * ( وَأَطِيعُوا اللَّه ورَسُولَه ) * في سائر الأوامر ، فإن القيام بها كالجابر للتفريط في ذلك . * ( واللَّه خَبِيرٌ بِما تَعْمَلُونَ ) * ظاهرا وباطنا . أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ تَوَلَّوْا قَوْماً غَضِبَ اللَّه عَلَيْهِمْ ما هُمْ مِنْكُمْ ولا مِنْهُمْ ويَحْلِفُونَ عَلَى الْكَذِبِ وهُمْ يَعْلَمُونَ ( 14 ) أَعَدَّ اللَّه لَهُمْ عَذاباً شَدِيداً إِنَّهُمْ ساءَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ ( 15 ) * ( أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ تَوَلَّوْا ) * والوا . * ( قَوْماً غَضِبَ اللَّه عَلَيْهِمْ ) * يعني اليهود : * ( ما هُمْ مِنْكُمْ ولا مِنْهُمْ ) * لأنهم منافقون مذبذبون بين ذلك . * ( ويَحْلِفُونَ عَلَى الْكَذِبِ ) * وهو ادعاء الإسلام . * ( وهُمْ يَعْلَمُونَ ) * أن المحلوف عليه كذب كمن يحلف بالغموس ، وفي هذا التقييد دليل على أن الكذب يعم ما يعلم المخبر عدم مطابقته وما لا