عبد الله بن محمد الشيرازي الشافعي البيضاوي

19

أنوار التنزيل وأسرار التأويل ( تفسير البيضاوي )

على ساقه ، يفعيل من قطن بالمكان إذا أقام به ، والأكثر على أنها كانت الدباء غطته بأوراقها عن الذباب فإنه لا يقع عليه ، ويدل عليه أنه قيل لرسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وسلم : إنك لتحب القرع ، قال : « أجل هي شجرة أخي يونس » . وقيل التين وقيل الموز تغطي بورقه واستظل بأغصانه وأفطر على ثماره . * ( وَأَرْسَلْناه إِلى مِائَةِ أَلْفٍ ) * هم قومه الذين هرب عنهم وهم أهل نينوى ، والمراد به ما سبق من إرساله أو إرسال ثان إليهم أو إلى غيرهم . * ( أَوْ يَزِيدُونَ ) * في مرأى الناظر أي إذا نظر إليهم ، قال هم مائة ألف أو يزيدون والمراد الوصف بالكثرة وقرئ بالواو . * ( فَآمَنُوا ) * فصدقوه أو فجددوا الإيمان به بمحضره . * ( فَمَتَّعْناهُمْ إِلى حِينٍ ) * إلى أجلهم المسمى ، ولعله إنما لم يختم قصته وقصة لوط بما ختم به سائر القصص تفرقة بينهما وبين أرباب الشرائع الكبر وأولي العزم من الرسل ، أو اكتفاء بالتسليم الشامل لكل الرسل المذكورين في آخر السورة . فَاسْتَفْتِهِمْ أَلِرَبِّكَ الْبَناتُ ولَهُمُ الْبَنُونَ ( 149 ) أَمْ خَلَقْنَا الْمَلائِكَةَ إِناثاً وهُمْ شاهِدُونَ ( 150 ) أَلا إِنَّهُمْ مِنْ إِفْكِهِمْ لَيَقُولُونَ ( 151 ) وَلَدَ اللَّه وإِنَّهُمْ لَكاذِبُونَ ( 152 ) * ( فَاسْتَفْتِهِمْ أَلِرَبِّكَ الْبَناتُ ولَهُمُ الْبَنُونَ ) * معطوف على مثله ، في أول السورة أمر رسوله أولا باستفتاء قريش عن وجه إنكارهم البعث ، وساق الكلام في تقريره جارا لما يلائمه من القصص موصولا بعضها ببعض ، ثم أمر باستفتائهم عن وجه القسمة حيث جعلوا للَّه البنات ولأنفسهم البنين في قولهم : الملائكة بنات اللَّه ، وهؤلاء زادوا على الشرك ضلالات أخر ، التجسيم وتجويز الفناء على اللَّه تعالى ، فإن الولادة مخصوصة بالأجسام الكائنة الفاسدة ، وتفضيل أنفسهم عليه حيث جعلوا أوضع الجنسين له وأرفعهما لهم ، واستهانتهم بالملائكة حيث أنثوهم ولذلك كرر اللَّه تعالى إنكار ذلك وإبطاله في كتابه مرارا ، وجعله مما * ( تَكادُ السَّماواتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْه وتَنْشَقُّ الأَرْضُ وتَخِرُّ الْجِبالُ هَدًّا ) * ، والإنكار ها هنا مقصور على الأخيرين لاختصاص هذه الطائفة بهما ، أو لأن فسادهما مما تدركه العامة بمقتضى طباعهم حيث جعل المعادل للاستفهام عن التقسيم . * ( أَمْ خَلَقْنَا الْمَلائِكَةَ إِناثاً وهُمْ شاهِدُونَ ) * وإنما خص علم المشاهدة لأن أمثال ذلك لا تعلم إلا بها ، فإن الأنوثة ليست من لوازم ذاتهم لتمكن معرفته بالعقل الصرف مع ما فيه من الاستهزاء ، والإشعار بأنهم لفرط جهلهم يبتون به كأنهم قد شاهدوا خلقهم . * ( أَلا إِنَّهُمْ مِنْ إِفْكِهِمْ لَيَقُولُونَ ) * * ( وَلَدَ اللَّه ) * لعدم ما يقتضيه وقيام ما ينفيه . * ( وإِنَّهُمْ لَكاذِبُونَ ) * فيما يتدينون به ، وقرئ « ولد اللَّه » أي الملائكة ولده ، فعل بمعنى مفعول يستوي فيه الواحد والجمع والمذكر والمؤنث . أَصْطَفَى الْبَناتِ عَلَى الْبَنِينَ ( 153 ) ما لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ ( 154 ) أَفَلا تَذَكَّرُونَ ( 155 ) أَمْ لَكُمْ سُلْطانٌ مُبِينٌ ( 156 ) فَأْتُوا بِكِتابِكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ ( 157 ) * ( أَصْطَفَى الْبَناتِ عَلَى الْبَنِينَ ) * استفهام إنكار واستبعاد ، والاصطفاء أخذ صفوة الشيء ، وعن نافع كسر الهمزة على حذف حرف الاستفهام لدلالة أم بعدها عليها أو على الإثبات بإضمار القول أي : لكاذبون في قولهم اصطفى ، أو إبداله من * ( وَلَدَ اللَّه ) * . * ( ما لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ ) * بما لا يرتضيه عقل . * ( أَفَلا تَذَكَّرُونَ ) * أنه منزه عن ذلك . * ( أَمْ لَكُمْ سُلْطانٌ مُبِينٌ ) * حجة واضحة نزلت عليكم من السماء بأن الملائكة بناته .