عبد الله بن محمد الشيرازي الشافعي البيضاوي

154

أنوار التنزيل وأسرار التأويل ( تفسير البيضاوي )

للمبالغة في كثرتهم والتصريح ، فإن الذرية تقع على الواحد والكثير ، وقرأ أبو عمرو و « أتبعناهم ذرياتهم » أي جعلناهم تابعين لهم في الإيمان . وقيل * ( بِإِيمانٍ ) * حال من الضمير أو الذرية أو منهما وتنكيره للتعظيم ، أو الإشعار بأنه يكفي للإلحاق المتابعة في أصل الإيمان . * ( أَلْحَقْنا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ ) * في دخول الجنة أو الدرجة . لما روي أنه عليه الصلاة والسلام قال « إن اللَّه يرفع ذرية المؤمن في درجته وإن كانوا دونه لتقر بهم عينه ثم تلا هذه الآية » وقرأ نافع وابن عامر والبصريان ذرياتهم . * ( وما أَلَتْناهُمْ ) * وما نقصناهم . * ( مِنْ عَمَلِهِمْ مِنْ شَيْءٍ ) * بهذا الإلحاق فإنه كان يحتمل أن يكون بنقص مرتبة الآباء أو بإعطاء الأبناء بعض مثوباتهم ، ويحتمل أن يكون بالتفضل عليهم وهو اللائق بكمال لطفه . وقرأ ابن كثير بكسر اللام من ألت يألت ، وعنه « لتناهم » من لات يليت و « آلتناهم » من آلت يولت ، و « ولتناهم » من ولت يلت ومعنى الكل واحد . * ( كُلُّ امْرِئٍ بِما كَسَبَ رَهِينٌ ) * بعمله مرهون عند اللَّه تعالى فإن عمل صالحا فكه وإلا أهلكه . وأَمْدَدْناهُمْ بِفاكِهَةٍ ولَحْمٍ مِمَّا يَشْتَهُونَ ( 22 ) يَتَنازَعُونَ فِيها كَأْساً لا لَغْوٌ فِيها ولا تَأْثِيمٌ ( 23 ) ويَطُوفُ عَلَيْهِمْ غِلْمانٌ لَهُمْ كَأَنَّهُمْ لُؤْلُؤٌ مَكْنُونٌ ( 24 ) * ( وَأَمْدَدْناهُمْ بِفاكِهَةٍ ولَحْمٍ مِمَّا يَشْتَهُونَ ) * أي وزدناهم وقتا بعد وقت ما يشتهون من أنواع التنعم . * ( يَتَنازَعُونَ فِيها ) * يتعاطون هم وجلساؤهم بتجاذب . * ( كَأْساً ) * خمرا سماها باسم محلها ولذلك أنث الضمير في قوله : * ( لا لَغْوٌ فِيها ولا تَأْثِيمٌ ) * أي لا يتكلمون بلغو الحديث في أثناء شربها ، ولا يفعلوا ما يؤثم به فاعله كما هو عادة الشاربين في الدنيا ، وذلك مثل قوله تعالى : * ( لا فِيها غَوْلٌ ) * وقرأهما ابن كثير والبصريان بالفتح . * ( وَيَطُوفُ عَلَيْهِمْ ) * أي بالكأس . * ( غِلْمانٌ لَهُمْ ) * أي مماليك مخصوصون بهم . وقيل هم أولادهم الذين سبقوهم . * ( كَأَنَّهُمْ لُؤْلُؤٌ مَكْنُونٌ ) * مصون في الصدف من بياضهم وصفائهم . وعنه صلَّى اللَّه عليه وسلم « والذي نفسي بيده إن فضل المخدوم على الخادم كفضل القمر ليلة البدر على سائر الكواكب » . وأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلى بَعْضٍ يَتَساءَلُونَ ( 25 ) قالُوا إِنَّا كُنَّا قَبْلُ فِي أَهْلِنا مُشْفِقِينَ ( 26 ) فَمَنَّ اللَّه عَلَيْنا ووَقانا عَذابَ السَّمُومِ ( 27 ) إِنَّا كُنَّا مِنْ قَبْلُ نَدْعُوه إِنَّه هُوَ الْبَرُّ الرَّحِيمُ ( 28 ) * ( وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلى بَعْضٍ يَتَساءَلُونَ ) * يسأل بعضهم بعضا عن أحواله وأعماله . * ( قالُوا إِنَّا كُنَّا قَبْلُ فِي أَهْلِنا مُشْفِقِينَ ) * خائفين من عصيان اللَّه معتنين بطاعته ، أو وجلين من العاقبة . * ( فَمَنَّ اللَّه عَلَيْنا ) * بالرحمة والتوفيق . * ( ووَقانا عَذابَ السَّمُومِ ) * عذاب النار النافذة في المسام نفوذ السموم ، وقرئ « ووقّانا » بالتشديد . * ( إِنَّا كُنَّا مِنْ قَبْلُ ) * من قبل ذلك في الدنيا . * ( نَدْعُوه ) * نعبده أو نسأله الوقاية . * ( إِنَّه هُوَ الْبَرُّ ) * المحسن ، وقرأ نافع والكسائي * ( إِنَّه ) * بالفتح . * ( الرَّحِيمُ ) * الكثير الرحمة . فَذَكِّرْ فَما أَنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِكاهِنٍ ولا مَجْنُونٍ ( 29 ) أَمْ يَقُولُونَ شاعِرٌ نَتَرَبَّصُ بِه رَيْبَ الْمَنُونِ ( 30 ) قُلْ تَرَبَّصُوا فَإِنِّي مَعَكُمْ مِنَ الْمُتَرَبِّصِينَ ( 31 ) أَمْ تَأْمُرُهُمْ أَحْلامُهُمْ بِهذا أَمْ هُمْ قَوْمٌ طاغُونَ ( 32 ) * ( فَذَكِّرْ ) * فاثبت على التذكير ولا تكترث بقولهم . * ( فَما أَنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ ) * بحمد اللَّه وإنعامه . * ( بِكاهِنٍ ولا مَجْنُونٍ ) * ، كما يقولون . * ( أَمْ يَقُولُونَ شاعِرٌ نَتَرَبَّصُ بِه رَيْبَ الْمَنُونِ ) * ما يقلق النفوس من حوادث الدهر ، وقيل * ( الْمَنُونِ ) * الموت